اليسار العراقي عند مفترق طرق: التجديد، الوحدة، واستعادة الفعل الجماهيري
1 اليسار العراقي: أزمة أدوات لا أزمة قيم
تأتي هذه المقالة في لحظة حرجة يمر بها اليسار العراقي. فلا يمكن قراءة نتائج الانتخابات الأخيرة نوفمبر 2025 بوصفها مجرد خسارة انتخابية عابرة، أو كنتيجة مباشرة للقانون الانتخابي المجحف وسيادة المال السياسي. هذه العوامل الخارجية صحيحة ومؤثرة، وتضاف إليها التحديات الأشد وطأة من التقييد والتضييق المنهجي والفساد الهيكلي. ومع ذلك، فإن التركيز على المؤثرات الخارجية وحدها يغفل جوهر المشكلة.
ما جرى هو تعبير مكثف عن أزمة أعمق تطال أشكال التنظيم وطريقة العمل والخطاب داخل كافة اليسار العراقي عموماً. إنها أزمة تمس العلاقة المختلة بين الفكرة الصحيحة وأدواتها الخاطئة. وهي العلاقة بين خطاب تغييري جذري وطريقة عرضه داخل "سوق سياسي" شديد التعقيد والوحشية. ورغم هذا التراجع الواضح، يبقى اليسار العراقي الأمل الحقيقي والبديل الأكثر جدية للتغيير الاجتماعي.
انطلاقاً من هذا التشخيص المزدوج، يصبح السؤال الحقيقي: لماذا، رغم الوضع السيئ للجماهير وسلطة طغم الاستبداد والفساد، لم يتحول التغيير الاجتماعي إلى خيار جماهيري واضح ومقنع؟ لماذا بقي مشروع اليسار مشتتاً متصارعاً، متعدداً بالاسم، متشابهاً بالشعار، مختلفاً بآليات العمل، بحيث لم ترَ الجماهير بديلاً واحداً متماسكاً؟
2 هل نستفيد من المنهجية الرأسمالية؟
لفهم هذا الخلل، يصبح من الضروري النظر إلى المسألة من زاوية غير تقليدية. يقدم منطق الرأسمالية، المستند إلى العلم والقياس لا إلى الإيديولوجيا، نموذجاً عملياً صارماً في كيفية التعامل مع التراجع والضعف. حيث يمكن قراءة أزمة اليسار العراقي بوصفها أزمة "منتج" تغييري جيد، بسياسات تبدو صحيحة نظرياً، لكنها لم تجد بعد الأشكال الأمثل لترجمتها عملياً، وبإدارة وتسويق يحتاجان لتطوير، داخل سوق سياسي بمنافسة هائلة من القوى الدينية والقومية والبرجوازية. فالرأسمالية تتعامل مع المجتمع بوصفه سوقاً، ومع الأفكار بوصفها سلعاً. وعندما تدخل مجموعة "شركات" تحمل اسماً متشابهاً وتبيع منتجاً واحداً هو "التغيير الاجتماعي"، من دون انسجام أو تنسيق، تتحول الجودة نفسها إلى مشكلة.
هذا ما حدث فعلياً لليسار العراقي في الانتخابات الأخيرة. لم يكن فقط مشتتاً تنظيمياً، بل منقسماً سياسياً بين المشاركة والمقاطعة. لم يظهر موقف موحد، ولا خطاب واضح، ولا تكتيك جماعي مفهوم. الجماهير لم تر "منتجاً واحداً" واضح المعالم، بل سلسلة منتجات متشابهة تتنافس فيما بينها بدلاً من مواجهة المنافسين الحقيقيين. في هذه الحالة، السوق نفسه يعاقب المنتج غير المنسجم. التعدد الفوضوي وتضارب الخطاب والارتباك كلها عوامل تجعل الجماهير تفقد الثقة، ليس لأنها ترفض فكرة التغيير، بل لأنها تصل بشكل مشتت ونظري نخبوي، صعب الفهم قياساً بتطور المجتمع وحاجاته اليومية.
3 اليسار ومعالجة التراجع والضعف
عند التراجع والضعف يظهر الفرق الجوهري بين منطق الرأسمالية ومنطق كثير من قوى اليسار. الرأسمالية لا تعود عند كل أزمة إلى منظريها الكلاسيكيين لتبحث هل طبقت نصوصهم بالكامل. وبوصفها نظاماً عملياً، تتعامل مع التراجع باعتباره إشارة تقنية قابلة للقياس والمعالجة. تغير الأدوات والخطاب والواجهات وآليات العمل بسرعة، من دون إحساس بالذنب، ومن دون تقديس للأسماء والتاريخ. تستخدم البحث العلمي: تجمع البيانات، تحلل الأرقام، تدرس السلوك، توزع استمارات، تستخدم التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي، وتختبر فرضيات. تسأل ببساطة وصرامة: لماذا لم ينجح المنتج؟ وعلى أساس الإجابات تعيد بناء سياساتها.
في المقابل، تميل بعض قوى اليسار عند مواجهة التراجع إلى العودة لمنظريها الكلاسيكيين بحثاً عن إجابات، والى تاريخ أحزابها الناصع قبل عشرات السنين، رغم أن السؤال الحقيقي يجب أن يكون: لماذا لم تصل رسالتنا اليوم؟ المشكلة ليست في العودة إلى التراث اليساري بوصفه منهجاً نقدياً حياً، وإنما عندما يتحول هذا التراث وآليات التنظيم القديمة إلى معيار جامد يعلو على الواقع.
4 نستعيد المنهج العلمي الذي كان دائماً جوهر الفكر اليساري
الدرس هنا ليس تمجيد الرأسمالية ولا تبني قيمها، بل الاستفادة من منهجها العلمي. التحدي الجوهري يكمن في كيفية "استعارة الأداة" (المنهجية العلمية) مع رفض "الروح" (الربح الفردي والهيمنة الطبقية).
اليسار العراقي الآن بحاجة إلى هذا النوع من التقييم والصرامة العلمية. أن يجري استبيانات حقيقية في الأحياء الشعبية وبين شغيلات وشغيلة اليد والفكر، لا لكي يتنازل عن أفقه الطبقي، بل لكي يفهم كيف تصل رسالته، وكيف تفهم، وأين تتكسر. هو بحاجة إلى دراسة وقياس أثر سياساته، وقياس حضوره على الأرض وفي الفضاء الرقمي، وقياس لغة خطابه. أن نسأل بوضوح: لماذا لا نصل؟ ولماذا لا نؤثر؟ بعد ذلك فقط يمكن اتخاذ قرارات سياسية وتنظيمية شجاعة بناء على النتائج.
5 اليسار في عصر الثورة الرقمية
في سياق الثورة الرقمية، تزداد هذه الحاجة إلحاحا وبشكل غير مسبوق. نحن نعيش في زمن لم تعد فيه الافكار تقاس بسلامة منطلقها النظري فقط، بل بقدرتها على الوصول، والتأثير، والتفاعل، والتحول الى فعل جماعي ملموس، وهي معايير تفهمها الاجيال الشابة وتتعامل معها يوميا في حياتها الرقمية والاجتماعية. الجيل الشاب من شغيلات وشغيلة اليد والفكر لا يتلقى السياسة عبر الخطب الطويلة ولا عبر النصوص النظرية الثقيلة، بل عبر المنصات الرقمية، والفيديوهات القصيرة، والنقاشات المفتوحة، وحملات التضامن السريعة، واشكال التنظيم الافقي المرن التي تتيح المشاركة المباشرة وصناعة القرار من الاسفل الى الاعلى. تجاهل هذه التحولات لا يعني الحياد، بل ترك هذا الفضاء بالكامل لخصوم اليسار الاكثر تنظيما وقدرة على الاستثمار في الادوات الرقمية.
من هنا، يصبح التعامل مع الفضاء الرقمي بوصفه ساحة صراع طبقي حقيقية ضرورة سياسية وتنظيمية، لا مسألة تقنية او اعلامية ثانوية. فالتنظيم، والتعبئة، وبناء الثقة، وصياغة الخطاب، وقياس الاثر، كلها باتت تمر اليوم عبر هذا الفضاء بقدر ما تمر عبر الشارع ومواقع العمل. ومن دون امتلاك اليسار لادوات التنظيم والتعبئة والتقييم العلمي في هذا المجال، يعجز عن تحويل الغضب الاجتماعي الواسع الى قوة منظمة وقادرة على الاستمرار والتأثير. اليسار المعاصر هو ذاك القادر على ربط عدالة مشروعه الاجتماعي باستخدام واع ومنهجي لادوات العصر، بما يسمح له باستعادة دوره كقوة تغيير حقيقية في مجتمع يتغير بسرعة.
6 لماذا نحتاج إطاراً يسارياً واسعاً وموحداً؟
اليسار العراقي لعب دوراً تاريخياً مهماً في النضال من أجل حقوق شغيلات وشغيلة اليد والفكر. لكن هذا التاريخ المشرف يحملنا مسؤولية أكبر اليوم: ألا نكتفي بالاحتفاء بالماضي، بل أن نواجه الواقع كما هو. فاليسار العراقي يعيش وضعاً صعباً يتجلى في تراجع متواصل وعزلة جماهيرية متزايدة وابتعاده الواضح عن الأجيال الشابة. ومعدل أعمار القيادات الحالية يتراوح غالباً بين الستين والسبعين عاماً مع تقديري لدورهم النضالي الكبير وتضحياتهم ، وهو ما يستدعي إفساح المجال لطاقات الأجيال الشابة التي تعيش واقعاً مختلفاً.
أمام هذا الواقع، لم يعد ممكناً الاكتفاء بتشخيص الأزمة. فإذا كان خصمنا الطبقي يعيد بناء نفسه باستمرار عبر التحليل والتجريب والتصحيح، فإن بقاءنا مشتتين وأسرى أشكالنا القديمة يضعف فرصنا في التأثير. من هنا يصبح الحديث عن إطار يساري واسع وموحد استجابة عملية لأزمة وضرورة تاريخية.
7 دروس الوحدة والعمل الجبهوي: كيف استعادت قوى اليسار العالمي فاعليتها؟
في تجارب عديدة حول العالم، اثبتت قوى اليسار ان الخروج من التهميش والتراجع لم يتحقق عبر التمسك بالاشكال التنظيمية القديمة، بل عبر الوحدة والعمل المشترك وبناء اطر مرنة قادرة على استيعاب التعدد. ففي البرتغال، قدمت الكتلة اليسارية نموذجا رائدا لدمج عدة تيارات يسارية داخل اطار واحد يحترم التعددية، ما مكنها من ان تصبح رقما صعبا في تشكيل الحكومات وامتلاك قدرة تفاوضية لم تكن متاحة للاحزاب المنفردة. وفي تشيلي، تشكل تحالف تأييد الكرامة بين الحزب الشيوعي ومنظمات شبابية قاد احتجاجات واسعة واوصل غابرييل بوريك كاصغر رئيس للبلاد عام 2021، ورغم انتكاسات انتخابات 2025 بقي التحالف صامدا ككتلة معارضة منظمة منعت تفتت قوى التغيير. وفي الدنمارك، ادى اندماج ثلاثة احزاب ماركسية صغيرة في تنظيم متعدد المنابر هو القائمة الموحدة الى انتقال اليسار من الهامش الى قوة سياسية حصدت 7.1% من الاصوات في انتخابات 2025 وبرزت كقوة بلدية كبرى في العاصمة. وفي كولومبيا، نجح الميثاق التاريخي كائتلاف ضم ماركسيين وبيئيين ونسويين في كسر احتكار السلطة التقليدي وايصال غوستافو بيترو الى الرئاسة عام 2022 عبر خطاب براغماتي راديكالي يلامس الحياة اليومية للناس. وفي المانيا، حقق توحيد تيارات اليسار من الشرق والغرب في حزب دي لينكه اطارا واحدا قويا مثل لسنوات اليسار الاجتماعي والانتخابي رغم التباينات الفكرية. اما في اسبانيا، فقد استخدم بوديموس التنظيم الافقي والادوات الرقمية لنقل اليسار من ساحات الاحتجاج الى قلب البرلمان خلال وقت قياسي متحديا الهياكل الحزبية التقليدية. وفي البرازيل، استعادت جبهة الامل السلطة عام 2022 عبر تحالفات واسعة تجاوزت الشعارات الايديولوجية الضيقة، وباستخدام احترافي للفضاء الرقمي في مواجهة هيمنة اليمين المتطرف.
ما يجمع هذه التجارب الحديثة، رغم اختلاف السياقات، هو ادراك ان اليسار لم يعد قادرا على الفعل والتأثير كاحزاب منفردة مغلقة، وانما كتحالفات واسعة، مرنة، ومتعددة المنابر، قادرة على ادارة الاختلاف وربط السياسة بالمطالب الاجتماعية المباشرة. هذه الدروس لا تنقل حرفيا الى العراق، لكنها تفتح افقا عمليا للتفكير في بناء اطار يساري عراقي واسع وموحد، قادر على تجاوز التشتت وتحويل عدالة المشروع اليساري الى قوة اجتماعية منظمة وفاعلة.
8 أسس وآليات الإطار اليساري الموحد
يمكن طرح خارطة طريق لتأسيس إطار يساري عراقي موحد، يقوم على جمع كل القوى اليسارية والتقدمية على نقاط التقاء وبرنامج حد أدنى متفق عليه، من خلال:
عقد مؤتمر عام لكافة فصائل وشخصيات اليسار العراقي والكردستاني، يناقش بناء إطار تنظيمي موحد متعدد المنابر، يضم الأحزاب والتيارات والاتحادات والنقابات، ويتيح انضمام الأفراد من الناشطات والناشطين.
صياغة برنامج حدٍ أدنى موحد يرتكز على ما هو ممكن تحقيقه على المدى القريب؛ برنامج قصير وواضح ومباشر يركز على مصالح شغيلات وشغيلة اليد والفكر، وتطوير الخدمات الأساسية، والعدالة الاجتماعية وتوفير فرص العمل. يتبنى البرنامج قضايا حقوق النساء كاملةً، وتحييد الدين عن الدولة، وحماية الحريات. يصاغ هذا البرنامج بلغة عصرية ومفهومة وعملية، بعيداً عن التعقيدات الأيديولوجية.
اختيار اسم بسيط مثل تحالف أو اتحاد الخبز والحرية، بعيداً عن التسميات اليسارية التقليدية.
يستند الإطار إلى قيادة جماعية تداولية، وإلى قواعد تنظيمية مرنة، وأشكال مختلفة ومرنة من العضوية. الأهم، يجب أن تكون الكيانات اليسارية المؤسِسة مستعدة لإعادة هيكلة أطرها وتخفيف المركزية الحزبية التقليدية.
التركيز على اللامركزية الواسعة حسب المحافظات والمناطق، بحيث تصبح كل وحدة قادرة على قيادة عملها بفاعلية ضمن خط سياسي عام موحد.
الاستخدام الفاعل للعلوم الحديثة في القيادة والإدارة والتنظيم والإعلام والرقمنة، وفي تقييم السياسات بشكل دوري، مع اعتماد التغذية العكسية من الجماهير كآلية أساسية.
تعزيز دور الشباب في القيادة عبر قواعد تنظيمية ملزمة، مثل نسب تمثيل للشباب والنساء في الهيئات القيادية مع صلاحيات حقيقية.
بناء سياسة رقمية فاعلة تتعامل مع الفضاء الرقمي بوصفه ساحة صراع طبقي حقيقية، تشمل منصات إعلامية متعددة، برامج تدريب رقمي، استخدام الذكاء الاصطناعي، وأدوات قياس علمية فعلية.
الشرط الحاسم هو أن يكون الإطار الموحد قادراً على العمل وفق نقاط التقاء والبرنامج المتفق عليه واحتواء الاختلاف بشكل إيجابي دون أن يتحول إلى ساحة صراعات.
9 هل سنستمر في تفسير العالم بينما يواصل أعداؤنا تغييره؟
السؤال المفصلي اليوم ليس عن النوايا، وانما عن الفعل: هل يطرح اليسار بدائل تنطلق مما هو ممكن اجتماعياً وطبقياً، وقابل للتحقق ضمن التوازنات القائمة، وبمنطق التغيير التدريجي المتراكم؟ أم يكتفي برفع الشعارات دون أن يترتب عليها أي تغيير فعلي وملموس في حياة الجماهير؟
في المحصلة، أزمة اليسار العراقي ليست أزمة إخلاص أو تاريخ، وإنما هي أزمة أدوات وشكل عمل. لقد أعاد التطور العلمي والتحولات الرقمية رسم مساحات التأثير، ومن يتجاهلها يخرج تلقائياً من المعادلة. إننا لا نحتاج يساراً جديداً في قيمه، وانما يساراً جديداً في خطابه وفعلِه وآليات تنظيمه؛ يساراً يترجم الفكر إلى تغييرات ملموسة على أرض الواقع، دون التخلي عن جوهر مشروعه الاشتراكي.
من هنا، الجرأة المطلوبة اليوم في الشجاعة على تفكيك البنى المتصلبة، والتخلي عن المركزيات الضيقة، لصالح إطار واسع ومرن يتسع للجميع ويعيد وصل التنظيم بالواقع الحي. أمامنا خياران لا ثالث لهما. إما أن نسلك طريق التجديد والوحدة العملية فنستعيد دورنا كقوة تغيير حقيقية، أو أن نستمر على المسار الحالي فنخاطر بأن تتجاوزنا حركة التاريخ. والتجارب العالمية تثبت بوضوح أن الوحدة ليست فقط ممكنة، بل مجدية أيضاً، حتى في أشد الظروف قسوة.
-----------------------------------------------------------
هوامش:
- اليسار العراقي متكون من مجموعة احزاب وتنظيمات، ومن أبرزها: الحزب الشيوعي العراقي، الحزب الشيوعي الكردستاني، الحزب الشيوعي العمالي العراقي، الحزب الشيوعي العمالي الكردستاني، منظمة البديل الشيوعي، حزب اليسار الشيوعي، اضافة الى تنظيمات اخرى.
- لم تحصل كافة القوائم اليسارية والتقدمية في العراق التي شاركت في الانتخابات على اي مقعد في البرلمان العراقي في انتخابات نوفمبر 2025.