اليمن الذي أنقذه الله من 'الصوملة'

الجذور التي أنتجت فوضى 2012 لا تزال حية تحت الرماد وتنتظر لحظة فراغ أمني لإعادة إنتاج نفسها.

لا يُقرأ التاريخ كخط مستقيم، بل كشبكة احتمالات؛ حيث تصبح الأحداث الكبرى أحياناً كوابح قدرية تمنع السقوط في الهاوية. وتأمل المشهد اليمني الشائك عامي 2012 و2013، بما رافقه من انفلات واغتيالات وتمدد للإرهاب، يضعنا أمام تساؤل حتمي: أين كان يتجه اليمن لو استمر ذلك النزيف دون تحول مفاجئ؟ إن قراءة هذا "السيناريو البديل" هي قراءة تحليلية محايدة للمخاطر الوجودية التي نجت منها البلاد بلطف إلهي، صان هويتها وجغرافيتها من التلاشي.

الشأن الداخلي.. سيناريو "الصوملة" وتفكك الدولة

إذا افترضنا جدلاً عدم دخول الحوثيين صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، وبقاء الصراع مقتصراً بين مراكز القوى التقليدية والتنظيمات الجهادية، فإن مآل اليمن حتى عام 2026 كان سيتخذ مسار الفوضى الشاملة:

1. صدام حتمي داخل صنعاء: كان التوتر الناتج عن محاولات "أخونة" مؤسسات الجيش وعزل الموالين للرئيس الأسبق علي عبدالله صالح سينفجر عسكرياً في شوارع العاصمة بين الحرس الجمهوري وقوات اللواء علي محسن الأحمر وحزب الإصلاح، لينتج عن ذلك تدمير البنية التحتية وشلل تام للحكومة الضعيفة بقيادة عبدربه منصور هادي.

2. تمدد القاعدة والإمارات الإسلامية: مستغلاً صراع العاصمة، كان تنظيم القاعدة سيفرض سيطرته الكاملة على مساحات شاسعة (حضرموت الوادي، شبوة، البيضاء، أبين، ومأرب)، لتتحول هذه المناطق إلى ملاذات آمنة للإرهاب الدولي ومسرحاً للتدخلات الخارجية والطائرات المسيرة.

3. انفصال الجنوب وتعدد جبهاته: كان الحراك الجنوبي سيعلن الانفصال لحماية محافظاته، لكنه سيصطدم مباشرة بمحاولات الإصلاح والقاعدة للسيطرة على منابع النفط، مما يحول الجنوب إلى ساحة حرب أهلية متعددة الأطراف.

الوضع الإنساني والاقتصادي البديل: توقف إنتاج النفط تماماً جراء الهجمات المستمرة، وانهيار متسارع للعملة يقود لمجاعة شاملة مبكرة تفوق الواقع الحالي، مصحوباً بعزلة دولية تامة وإغلاق للسفارات.

ثلاث نهايات لـ"صالح" لا يعرفها أحد

تُشير معطيات تلك الفترة إلى أن صالح كان "الهدف الأول" لخصومه الأيديولوجيين والعسكريين، وغياب الطرف الحوثي لم يكن ليعيده للسلطة، بل كان سيفرزه كضحية أولى عبر ثلاث مسارات كارثية:

1. التصفية الجسدية المباشرة: استكمالاً لحادثة تفجير جامع النهدين عام 2011، ومع تغلغل الجناح العسكري للإصلاح، كان صالح سيتعرض لعملية اغتيال ضخمة (بسيارة مفخخة أو باقتحام مقره) تُقيد ضد مجهول أو يتبناها تنظيم القاعدة.

2. السحل والإعدام العلني: في حال سقوط صنعاء في الفوضى، فإن تنظيم القاعدة الذي يرى في صالح "الطاغوت الأكبر" كان سيعمد إلى تصفيته بشكل بشع وسحله في الشوارع، على غرار مصير معمر القذافي أو محمد نجيب الله.

3. المحاكمة الصورية والسجن: لو أحكم الإخوان السيطرة الكاملة، لتمت محاكمته عسكرياً بتهم الفساد وقتل المتظاهرين، ليقضي بقية حياته وراء القضبان مع تجريد عائلته كلياً من ثروتها ونفوذها.

ثانياً: الشأن الخارجي ومصير المغتربين

لو تحققت فوضى القاعدة، لكان المواطن اليمني في الخارج هو الفئة الأكثر تضرراً: وصمة الاشتباه والارتياب: بما أن تنظيم القاعدة باليمن كان يصنف كالأخطر عالمياً، لصار الجواز اليمني "إنذاراً أحمر" في المطارات، وخضع حامله لاستجوابات مهينة، مع تجميد الحسابات البنكية للحوالات الصادرة والواردة.

- شلل دبلوماسي وأزمة هوية: سيتوقف تمويل السفارات وتغلق أبوابها لغياب المرجعية، وبالتالي يعجز المغتربون عن تجديد وثائقهم، ليتحولوا إلى وضع قانوني شبيه بـ"البدون"، مما يهدد إقاماتهم ووظائفهم.

- إغلاق ملف اللجوء: ستغلق الدول حدودها مبكراً خوفاً من تسلل الإرهاب، ويتم التعامل مع الفارين كـ"تهديد أمني" يُحتجزون في معتقلات للتحقيق بدلاً من معاملتهم كضحايا حرب.

السؤال الأهم: هل زال الخطر؟

إن غياب هذا السيناريو الكارثي في الماضي بفعل خارطة النفوذ الحالية لا يعني زواله؛ فالجذور التي أنتجت فوضى 2012 لا تزال حية تحت الرماد وتنتظر لحظة فراغ أمني لإعادة إنتاج نفسها، تدعمها في ذلك بيئة التهميش والفقر، والأيديولوجيات العابرة للحدود، وتضاريس اليمن الحاضنة. وإذا انفجر الخطر مجدداً، فقد يواجه اليمن حصاراً دولياً مطبقاً لحماية الملاحة (باب المندب) وتحويل البلاد لساحة تصفية حسابات بالمسيرات.

خارطة الطريق الإنقاذية

إن نزع فتيل الخطر المستقبلي يتطلب قرارات استراتيجية شجاعة تحول المجتمع من ثقافة الحرب إلى البناء، وتتمثل في:

1 إعلان الطوارئ الأمنية لمكافحة الإرهاب عقداً كاملاً: بنقل العبء من الأجهزة الأمنية إلى الشراكة المجتمعية (القبيلة، الأسرة، الإعلام) ليرفض المجتمع احتضان التخريب.

2 إيقاف الحروب بين القوى المتصارعة: كخطوة صفرية، مع الإدراك بأن استمرار الصراع انتحار جماعي لن يحسم هوية اليمن.

3 تفعيل التعليم الإجباري: باعتباره السلاح الأنفع لسحب الأطفال والشباب من جبهات القتال وأرصفة البطالة؛ فالكتاب والقلم هما البديل الطبيعي للبندقية.

خلاصة القول: السلام لا يأتي هبة من الخارج، والمستقبل يصنعه أبناؤه، وتطبيق هذه الرؤية هو المصل الواقي ليعود اليمن عمقاً حضارياً وإنسانياً يفخر به أبناؤه.