انتخابات مصيرية أم إعادة تدوير للحكم؟"

العراق لم يعرف منذ سقوط نظام صدام حسين، انتقالا ديمقراطيا كاملا بالمعنى المؤسساتي، إذ تحوّل النظام السياسي إلى ساحة لتقاسم النفوذ بين القوى الطائفية.

في ظل أجواء تنافسية محتدمة، توجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع لاختيار برلمان جديد في انتخابات وُصفت بالمصيرية، ليس لأنها ستبدّل بالضرورة ملامح المشهد السياسي المأزوم منذ عام 2003، بل لأنها قد تحدد ما إذا كان العراق سيبقى أسيراً لدائرة النفوذ الإيراني والانقسامات الداخلية، أم سينفتح على مرحلة من التوازن الوطني الحقيقي.

منذ سقوط نظام صدام حسين، لم تعرف البلاد انتقالاً ديمقراطياً كاملاً بالمعنى المؤسساتي، إذ تحوّل النظام السياسي إلى ساحة لتقاسم النفوذ بين القوى الطائفية، وبالأخص الأحزاب الشيعية المتحالفة ضمن ما يُعرف بـ"الإطار التنسيقي". هذا الإطار، الذي يضم تشكيلات موالية لإيران، تمكن من فرض هيمنته على مفاصل الدولة خلال الدورات البرلمانية الماضية، مدعوماً بتوازنات إقليمية ودولية أتاحت له البقاء رغم التصدعات والخلافات بين مكوناته.

اليوم، ومع بدء الاقتراع، تتجدد الأسئلة القديمة بوجه جديد: هل يمكن لهذه الانتخابات أن تُنتج تغييراً حقيقياً في منظومة الحكم، أم أنها ستعيد إنتاج ذات الطبقة السياسية تحت شعارات جديدة؟

يعاني المشهد السياسي العراقي من إرهاق عميق، فالمواطن العادي لم يعد يثق بقدرة صناديق الاقتراع على إحداث فرق ملموس في حياته اليومية التي تتنازعها البطالة والفساد وضعف الخدمات، فيما تواصل القوى التقليدية التنافس على السلطة لا على برامج الإنقاذ الوطني.

أحد محاور الجدل الكبرى في هذه الانتخابات هو مدى استمرار النفوذ الإيراني في تشكيل الحكومة المقبلة، فطهران، التي استطاعت منذ عام 2003 أن تبني شبكة نفوذ معقدة في العراق تشمل أحزاباً سياسية وفصائل مسلحة ومؤسسات اقتصادية، تتابع نتائج التصويت بدقة.

صحيح أن المزاج الشعبي في الشارع الشيعي، وحتى داخل بعض أوساط "الإطار التنسيقي"، بات أقل حماسة للارتباط الكامل بالمحور الإيراني، لكن هذا لا يعني أن النفوذ الإيراني في طريقه إلى التراجع السريع، فالقوى الموالية لطهران تمتلك المال والسلاح والخبرة في إدارة التحالفات، وهي عوامل تجعلها قادرة على فرض معادلاتها في مرحلة ما بعد الانتخابات، خاصة في ظل غياب قوة وطنية جامعة تمتلك بدائل واقعية.

وفي المقابل، تُطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقة داخل "الإطار التنسيقي" نفسه، فبين جناح يدعو إلى الاستقرار والتفاهم السريع لتشكيل حكومة جديدة – كما صرح أحد مستشاري رئيس الوزراء محمد شياع السوداني – وجناح آخر يخشى خسارة بعض المكاسب لصالح خصومه داخل المعسكر ذاته، يبدو أن الانقسام قد يزداد عمقاً بدلاً من أن ينحسر، فكل طرف داخل الإطار يسعى لتأكيد شرعيته الانتخابية، ما قد يفتح الباب مجدداً أمام مساومات شاقة ومفاوضات طويلة حول توزيع المناصب والحقائب الوزارية.

أما التيار الصدري، بقيادة مقتدى الصدر، الذي قرر الانسحاب من المشهد الانتخابي بعد تجارب مريرة مع الإطار، فيبقى العامل الغائب الحاضر في المعادلة، فالصدر وإن لم يشارك مباشرة، فإنه يحتفظ بقدرة هائلة على التأثير في الشارع، سواء عبر خطاباته أو عبر حراك أنصاره الذين يمكنهم قلب المعادلة السياسية في أي لحظة، غير أن السؤال المطروح هو: هل سيكتفي الصدر هذه المرة بدور "الواعظ السياسي" والمنتقد الدائم، أم سيعود لاحقاً إلى الميدان من بوابة الإصلاح والاحتجاج؟

ويبقى مستقبل العراق بعد هذه الانتخابات مرهون بقدرة طبقته السياسية على إدراك حجم التحولات الجارية في الإقليم والعالم، فالتوازنات لم تعد كما كانت قبل عقد من الزمان، والناخب العراقي – رغم الإحباط – صار أكثر وعياً بمصالحه الوطنية وبخطر استمرار الارتهان للخارج. ولذلك، فإن أي محاولة لإعادة إنتاج منظومة الحكم ذاتها، دون إصلاحات جذرية في إدارة الدولة واقتصادها وعلاقاتها الخارجية، ستعني ببساطة تأجيل الانفجار المقبل.

قد لا تُحدث هذه الانتخابات انقلاباً في البنية السياسية العميقة، لكنها تُشكّل اختبارا حقيقياً لقدرة القوى العراقية على استعادة القرار الوطني من قبضة النفوذ الإقليمي، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة لا للمذهب أو الحزب. وفي بلد أنهكته الحروب والصراعات والفساد، قد يكون مجرد التوافق على تشكيل حكومة مستقرة وممثلة للناس خطوة أولى – ولو متواضعة – على طريق بناء عراق جديد يوازن بين الانتماء الوطني ومتطلبات الواقع الإقليمي.