انسحاب السوداني يُعبد الطريق للمالكي ولشروخ سياسية أعمق
بغداد - دخل المشهد السياسي العراقي مرحلة جديدة من التعقيد، عقب انسحاب رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني من التنافس على رئاسة الحكومة لولاية ثانية، وهو تطور أعاد خلط أوراق الإطار التنسيقي الشيعي، وفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، في مقدمتها ترشيح نوري المالكي، وما يحمله ذلك من تداعيات محتملة على وحدة البيت الشيعي واستقرار العملية السياسية.
ووفق معطيات مسربة من داخل الإطار التنسيقي، جاء انسحاب السوداني في سياق قراءة داخلية لحساسية المرحلة، حيث أبلغ قادة الإطار بأن "مصلحة العراق تتقدم على المصالح الحزبية والشخصية"، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لتجنب تعميق الانقسام داخل القوى الشيعية، أو تحميل حكومته مسؤولية صراع سياسي طويل قد يعطل تشكيل السلطة التنفيذية. غير أن هذا الانسحاب، بدلا من أن يسهّل التوافق، أعاد طرح إشكالية المرشح البديل، ودفع حزب الدعوة إلى تقديم زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي مرشحا وحيدا تقريبا.
وحظي ترشيح المالكي، بحسب مصادر مطلعة، بتأييد غالبية قوى الإطار التنسيقي، ما يعكس استمرار ثقله داخل المعادلة الشيعية، وقدرته على حشد الدعم داخل التحالفات التقليدية، إلا أن هذا التأييد لم يكن بالاجماع، إذ برز تحفظ واضح من قبل زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم الذي طلب رأي المرجعية الدينية في النجف، في خطوة حملت أكثر من دلالة سياسية. غير أن المرجعية، وكما في محطات سابقة، جددت موقفها الرافض للتدخل في تسمية رؤساء الحكومات، ما ترك الخلاف محصورا داخل الإطار نفسه.
ولا تنطلق تحفظات تيار الحكمة، وفق مقربين منه، من خلاف شخصي بقدر ما تعكس قلقا سياسيا أعمق من عودة نمط حكم يقوم على التفرد بالسلطة واحتكار القرار، وهو ما يراه الحكيم تهديدا لمسار الشراكة السياسية، ولروح التوازن التي أفرزتها نتائج الانتخابات الأخيرة.
اسم نوري المالكي ارتبط بأزمات متعددة الرؤوس وبالطائفية وباستشراء الفساد وتغول النفوذ الايراني
ويخشى التيار أن يؤدي الذهاب نحو شخصيات جدلية إلى إعادة إنتاج أزمات الماضي، وتعطيل بناء توافق حقيقي قادر على إدارة المرحلة المقبلة، التي تتسم بتحديات اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.
ولوح تيار الحكمة بخيارات تصعيدية، من بينها الانسحاب من التشكيلة الحكومية، وهو خيار، وإن بدا صعبا، إلا أنه يعكس حجم المأزق داخل الإطار التنسيقي، فانسحاب أحد مكوناته الأساسية من الحكومة المقبلة قد يضعف شرعيتها السياسية ويعزز الانطباع بوجود انقسام شيعي داخلي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى قدر عال من التماسك لمواجهة استحقاقات داخلية وضغوط إقليمية متزايدة.
أما على مستوى أوسع، فإن ترشيح المالكي، في حال المضي به، يطرح سؤالا محوريا حول قدرة الإطار التنسيقي على تجديد نفسه، والانتقال من منطق إدارة التوازنات القديمة إلى منطق استيعاب التحولات التي فرضتها صناديق الاقتراع، والرأي العام الشيعي المتنوع.
والمالكي، رغم حضوره القوي، يمثل لدى خصومه رمزا لمرحلة سياسية شديدة الاستقطاب، ارتبطت بأزمات أمنية واحتجاجات شعبية وانتشار للطائفية، وهو ما يجعل عودته إلى رئاسة الحكومة محفوفة بمخاطر سياسية، سواء داخل البيت الشيعي أو في علاقات الحكومة المقبلة مع بقية المكونات.
في المقابل، يرى مؤيدو المالكي أن خبرته السياسية وقدرته على إدارة التوازنات الإقليمية قد تكون عاملا حاسما في مرحلة دقيقة، خاصة في ظل تعقيدات الملف الأمني والاقتصادي، وتحديات العلاقة مع القوى الدولية، غير أن هذا الرأي يصطدم بتخوفات حقيقية من أن تؤدي عودته إلى تعميق الانقسام، بدلا من ترميمه.
وبين هذا وذاك، يبقى اجتماع الإطار التنسيقي المرتقب لحسم اسم المرشح مفصليا، ليس فقط لتحديد رئيس الحكومة المقبل، بل لرسم ملامح المرحلة السياسية القادمة، فإذا ما مضى الإطار في ترشيح المالكي دون معالجة التحفظات الداخلية، فقد يجد نفسه أمام شرخ شيعي يصعب احتواؤه. أما إذا فشل التوافق، فقد تفتح الأزمة الباب أمام البحث عن "حل وسط" أو مرشح توافقي جديد، يعيد ضبط التوازنات ويجنب البلاد جولة جديدة من الانسداد السياسي.
ويعكس انسحاب السوداني وما تلاه من جدل حول البديل، عمق الأزمة البنيوية في النظام السياسي العراقي، حيث لا يزال التوافق مرهونا بتوازنات داخل المكون الواحد، قبل أن يكون نتاج شراكة وطنية أوسع وهي معادلة تجعل مستقبل الحكومة المقبلة رهنا بقدرة القوى الشيعية على تجاوز حساباتها الضيقة، وتقديم مقاربة أكثر شمولية لمفهوم الحكم والشراكة في العراق.