باريس تجمع سوريا وإسرائيل في ظل مساعٍ أميركية لتطبيع العلاقات
دمشق – عقد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني اجتماعا مباشرا نادرا مع وفد إسرائيلي في باريس، الثلاثاء، في محادثات توسطت فيها الولايات المتحدة، ضمن جهود دبلوماسية مكثفة لتطبيع العلاقات بين دمشق وتل أبيب، رغم التوترات الأخيرة.
ويمثل هذا اللقاء، الذي يأتي في سياق سياسي معقد، تحولا جوهريا في ديناميكيات المنطقة، ويسلط الضوء على الأهمية المتزايدة للدبلوماسية في مرحلة ما بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد.
وأفادت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا) بأنّ الشيباني التقى في العاصمة الفرنسية "وفدا إسرائيليا لمناقشة عدد من الملفات المرتبطة بتعزيز الاستقرار في المنطقة والجنوب السوري".
وأشارت إلى أنّ "النقاشات تركّزت حول خفض التصعيد وعدم التدخل بالشأن السوري الداخلي، والتوصل لتفاهمات تدعم الاستقرار في المنطقة، ومراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، وإعادة تفعيل اتفاق 1974" لفضّ الاشتباك بين سوريا وإسرائيل لناحية وقف الأعمال القتالية وإشراف قوة من الأمم المتحدة على المنطقة المنزوعة السلاح الفاصلة بين الطرفين.
ولفتت الوكالة إلى أنّ النقاشات السورية-الاسرائيلية تجري "بوساطة أميركية، في إطار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في سوريا والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها".
واللقاء في باريس ليس الأول من نوعه، بل يأتي استكمالا لسلسلة من المحادثات غير المسبوقة، ففي أواخر يوليو، استضافت باريس اجتماعا مماثلا بين الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمير، بينما عُقدت لقاءات مباشرة أخرى في العاصمة الأذرية باكو، بحسب ما أفاد مصدر دبلوماسي وكالة فرانس برس في وقت سابق، مما يشير إلى وجود قناة اتصال مستمرة وفعالة بين الطرفين.
وتعكس هذه اللقاءات، التي تتم بوساطة أميركية، جهودا دبلوماسية مكثفة لتحقيق الأمن والاستقرار في سوريا والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها، في إطار ما تصفه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ"رؤية الشرق الأوسط المزدهر".
وتأتي هذه اللقاءات السورية-الإسرائيلية غير المسبوقة في أعقاب أعمال عنف اندلعت في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية في 13 يوليو وأسفرت عن مقتل أكثر من 1600 شخص، الجزء الأكبر منهم دروز، وفق آخر حصيلة نشرها المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وبدأت أعمال العنف في السويداء باشتباكات بين مسلحين محليين وآخرين من البدو، ثم تطورت إلى مواجهات دامية بعدما تدخلت فيها القوات الحكومية. ويومها شنّت إسرائيل ضربات قرب القصر الرئاسي وعلى مقر هيئة الأركان العامة في دمشق بذريعة حماية الطائفة الدرزية.
وأعلنت واشنطن ليل 18- 19 يوليو أنّ سوريا وإسرائيل اتفقتا على وقف لإطلاق النار بينهما.
وهذه الاشتباكات سلطت الضوء على هشاشة الوضع الأمني في سوريا، والتحديات التي يواجهها الرئيس أحمد الشرع في تحقيق الاستقرار والحفاظ على الحكم المركزي، وعلى الرغم من أن الشرع، وهو قائد سابق في تنظيم القاعدة، قد قطع علاقاته مع الجماعة وتعهد ببناء دولة جديدة تحترم حقوق الأقليات، إلا أن أعمال العنف الطائفية المتكررة تثير مخاوف جدية بشأن قدرة الحكومة الانتقالية على السيطرة على الوضع.
وأثّرت الاشتباكات بشكل عميق على موقف الطائفة الدرزية، فعلى الرغم من أن الدروز في سوريا كانوا تاريخيا حذرين من إسرائيل، إلا أن الوضع الإنساني المتردي والحصار المفروض على مدينة السويداء، دفعهم إلى البحث عن مساعدة خارجية.
وفي وقت سابق الثلاثاء، نشر المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك على منصة إكس أنه عقد "اجتماعا دافئا ومفيدا" مع موفق طريف، الزعيم الروحي للدروز في إسرائيل، وأن الاثنين ناقشا "كيفية الجمع بين مصالح جميع الأطراف، وتهدئة التوترات، وبناء التفاهم".
ووصف طريف اللقاء بأنه "ممتاز"، وقال إن الدروز يريدون مساعدة أميركية بإنهاء حصار السويداء وتقديم مساعدات إنسانية لأهاليها، وعودة الدروز الذين اختطفوا خلال المعارك، بالإضافة إلى ضمانات أميركية بأمن الدروز.
ورغم أن القتال هدأ إلى حد كبير، فقد حاصرت قوات الحكومة السورية مدينة السويداء الجنوبية، وقال الدروز إن المساعدات التي تصل إليهم قليلة، ووصفوا الوضع بأنه حصار.
وتظاهر المئات في السويداء السبت للمطالبة بحق الأقلية الدرزية في تقرير مصيرها، ولوّح بعض المتظاهرين بالأعلام الإسرائيلية.
وأثارت مقاطع فيديو وصور للمشهد المنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي غضب العديد من السوريين، الذين اتهموا المتظاهرين بالخيانة.
وقبل اللقاءات المباشرة بين سوريا وإسرائيل، أفادت السلطات الانتقالية في دمشق عن حصول مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، قالت إن هدفها احتواء التصعيد، بعدما شنّت الدولة العبرية مئات الغارات على الترسانة العسكرية السورية وتوغلت قواتها في جنوب البلاد عقب الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر الماضي في هجوم سريع شنته فصائل إسلامية معارضة.
وسيطرت القوات الإسرائيلية على المنطقة العازلة التي تحرسها الأمم المتحدة في سوريا والتي أنشئت بموجب اتفاق عام 1974، فيما قال مسؤولون إسرائيليون إنه كان يهدف إلى إنشاء منطقة منزوعة السلاح جنوب دمشق.
وأكدت إسرائيل أنها لن تسمح لقوات معادية بالتمركز على طول الحدود، كما فعلت الجماعات المدعومة من إيران خلال حكم الأسد. ولا تثق إسرائيل بالحكومة السورية الجديدة، التي يقودها معارضون إسلاميون سابقون.
ولا تزال سوريا وإسرائيل رسميا في حالة حرب منذ العام 1948.