بريطانيا أمام اختبار التعايش مع تصاعد جرائم الكراهية

الأرقام الرسمية تظهر اتساع رقعة جرائم الكراهية، إذ تجاوز عدد الجرائم ذات الدوافع الدينية في إنكلترا وويلز عشرة آلاف جريمة حتى مارس 2025، بينها نحو 4500 استهدفت مسلمين و2900 ضد اليهود.

لندن - تواجه بريطانيا تصاعداً لافتاً في جرائم الكراهية ذات الخلفيات العرقية والدينية، في تطور يثير مخاوف متزايدة داخل الأوساط الأمنية والسياسية من انتقال خطاب التحريض المنتشر على الإنترنت إلى عنف مباشر في الشارع، وسط مناخ اجتماعي وسياسي يزداد استقطاباً منذ سنوات بفعل أزمات الهجرة والضغوط الاقتصادية وتراجع الثقة بين مكونات المجتمع البريطاني.

وكشفت بيانات الشرطة البريطانية عن ارتفاع مستمر في الاعتداءات التي تستهدف المسلمين واليهود والأقليات العرقية، بينما يحذر خبراء من أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ارتفاع الأرقام، بل في التحول العميق الذي يشهده الخطاب العام، حيث أصبحت العبارات العنصرية والتحريضية أكثر حضوراً في النقاشات السياسية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن كانت محاصرة اجتماعياً خلال العقود الماضية.

وفي واحدة من أكثر الحوادث صدمة، تعرضت امرأة بريطانية من أصول هندية في مدينة والسال لاعتداء عنيف بعدما لاحقها رجل عقب نزولها من حافلة، قبل أن يقتحم منزلها ويعتدي عليها جنسياً وجسدياً وهو يردد عبارات معادية للمسلمين، رغم أن الضحية تنتمي إلى الديانة السيخية. وقد أقر المتهم بارتكاب الجريمة وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، في حادثة اعتبرها مراقبون نموذجاً لتحول الكراهية الرقمية إلى عنف واقعي.

ولم تعد هذه الوقائع معزولة، إذ شهدت عدة مدن بريطانية خلال الأشهر الماضية هجمات استهدفت مهاجرين ومؤسسات دينية وأفراداً من أقليات مختلفة، ففي بريستول حاول فتى ينتمي إلى جماعة نازية جديدة قتل مهاجر إيراني كردي بفأس خارج محل حلاقة، بينما شهدت مانشستر هجوماً على كنيس يهودي أسفر عن سقوط قتيلين، كما تعرض مسجد في مدينة بيسهافن لهجوم حرق متعمد بعد أيام من الحادثة.

وفي شمال لندن، تكررت الاعتداءات ضد اليهود في منطقة غولدرز غرين، حيث تعرض شخصان للطعن، فيما قال رجل يهودي إن مجموعة شبان اعتدت عليه بالضرب بعد أن سألته أولاً إن كان يهودياً، في مؤشر على تنامي مناخ الشك والعداء داخل بعض الأحياء متعددة الأعراق.

وتظهر الأرقام الرسمية اتساع رقعة الظاهرة، إذ تجاوز عدد الجرائم ذات الدوافع الدينية في إنكلترا وويلز عشرة آلاف جريمة حتى مارس/اذار 2025، بينها نحو 4500 استهدفت مسلمين، وما يقارب 2900 ضد اليهود، إضافة إلى ارتفاع جرائم الكراهية المرتبطة بالعرق بنسبة 6 في المئة خلال عام واحد، مع تسجيل أعلى معدلات الاستهداف ضد البريطانيين من أصول جنوب آسيوية والسود.

وترى أجهزة الأمن البريطانية أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت المحرك الرئيسي لهذا المناخ. ويقول المسؤول عن ملف جرائم الكراهية في الشرطة البريطانية مارك هوبرو إن الإنترنت يصنع ما وصفه بـ'هرم الكراهية'، حيث تتحول التعليقات العدائية والمعلومات المضللة تدريجياً إلى أرضية تبرر العنف ضد الأقليات والمهاجرين.

ويبرز في هذا السياق الدور المتزايد للأخبار الكاذبة والشائعات المرتبطة بالمهاجرين وطالبي اللجوء، إذ أدى تداول معلومات غير صحيحة خلال الأشهر الماضية إلى احتجاجات وأعمال عنف ضد أشخاص فقط بسبب لون بشرتهم أو ملامحهم المختلفة، ففي ويلز، تحولت زيارة لمجموعة كشفية تضم مراهقين من خلفيات متنوعة إلى أزمة محلية بعدما جرى تداول مقاطع مصورة على الإنترنت تزعم أنهم "مهاجرون يقيمون داخل مركز حكومي"، قبل أن يتبين لاحقاً أنهم مجموعة كشفية بريطانية تشارك في نشاط شبابي عادي.

كما شهد شمال إنكلترا اعتداءً على مجموعة كنسية إفريقية كانت تنظم نزهة عائلية داخل حديقة عامة، بعدما هاجمهم أشخاص ملثمون وألقوا الحجارة عليهم، في وقت كشفت فيه الشرطة أن أحد المشتبه بهم استخدم فيسبوك للتحريض على الهجوم قبل تنفيذه.

ويجمع خبراء التطرف على أن البيئة الرقمية الحالية ساهمت في تطبيع الخطابات العنصرية، خاصة بعد تخفيف سياسات الإشراف على المحتوى في منصة 'إكس' منذ استحواذ إيلون ماسك عليها عام 2022، ما أتاح انتشاراً أوسع للمضامين التحريضية ورفع مستوى تقبلها داخل الفضاء الإلكتروني.

ويرى مراقبون أن تصاعد هذه الجرائم يعكس أزمة أعمق داخل المجتمع البريطاني، تتجاوز الجانب الأمني إلى اهتزاز النموذج التقليدي للتعايش والتعددية، فمنذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تصاعدت حدة النقاشات المرتبطة بالهجرة والهوية الوطنية، بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما خلق بيئة خصبة للشعبوية ولتحميل المهاجرين مسؤولية الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.

ويحذر خبراء من أن استمرار هذا المناخ قد يقود إلى مزيد من الانقسام المجتمعي، خصوصاً مع تراجع "الضوابط الاجتماعية" التي كانت تجرّم الخطاب العنصري أخلاقياً وسياسياً. ولذلك، تبدو بريطانيا اليوم أمام اختبار حقيقي للحفاظ على نموذجها متعدد الثقافات، في وقت لم تعد فيه المعالجة الأمنية وحدها كافية، بل باتت الحاجة ملحة إلى مواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة وتعزيز التماسك الاجتماعي قبل أن يتحول الاحتقان المتصاعد إلى أزمة أعمق تهدد استقرار المجتمع البريطاني نفسه.