تأخير تسليم جداول الموازنة يضع السوداني أمام المساءلة البرلمانية

مجلس القضاء الأعلى يوجع انتقادًا علنيًا غير معتاد للحكومة، محذرًا من تداعيات التأخير على التزامات الدولة الدستورية،

بغداد - تلوح أزمة جديدة في الأفق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، عنوانها هذه المرة التأخير في إرسال الجداول التفصيلية للموازنة العامة، وتأثيراتها المحتملة على الاستقرار المالي والسياسي في العراق.
وبالتزامن مع استمرار غياب الجداول التفصيلية للموازنة العامة بعد مرور أشهر على إقرارها، وجّه مجلس القضاء الأعلى انتقادًا علنيًا غير معتاد للحكومة، محذرًا من تداعيات هذا التأخير على التزامات الدولة الدستورية، ومؤكدًا أن هذا السلوك قد يستوجب المساءلة البرلمانية لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني.
وفي كتاب رسمي صادر في أيلول/سبتمبر 2025، أشار رئيس الادعاء العام القاضي نجم عبدالله أحمد إلى أن الحكومة لم تلتزم بما نصّت عليه المادة (62/أولاً) من الدستور العراقي، التي تُلزمها بإرسال تفاصيل الموازنة العامة، بما فيها الجداول والبيانات المالية، إلى البرلمان في وقتها المحدد.
ووصف القضاء هذا التأخير بأنه "إخلال دستوري"، مؤكداً أن من حق مجلس النواب استخدام صلاحياته الرقابية في هذا الإطار، بما في ذلك استجواب رئيس مجلس الوزراء، في حال تبيّن وجود تعمد أو تقصير في أداء الواجبات الدستورية.
ورد الفعل البرلماني لم يتأخر، إذ قدّم النائب هادي حسن السلامي طلبًا رسميًا إلى رئاسة مجلس النواب لإدراج استجواب رئيس الوزراء على جدول أعمال أقرب جلسة مقبلة. وعلّل السلامي هذه الخطوة بما وصفه بـ"الانتهاك الواضح" لالتزامات الحكومة تجاه السلطة التشريعية والمواطنين على حد سواء، مؤكدًا أن استمرار هذا الوضع يضر مباشرة بقدرة الدولة على إدارة شؤونها المالية.

انتهاك واضح لالتزامات الحكومة تجاه السلطة التشريعية

ويستند طلب السلامي وفق ما نشره موقع " شفق نيوز" الكردي العراقي إلى أحكام المادة (61/سابعاً - ج) من الدستور، إضافة إلى عدد من مواد قانون مجلس النواب ونظامه الداخلي، التي تنص صراحة على صلاحية البرلمان في مساءلة أعضاء السلطة التنفيذية عن أوجه التقصير أو المخالفات الدستورية.
من جانبه، حذّر السلامي من التداعيات الاقتصادية والإدارية الخطيرة لتأخر الجداول، مشيرًا إلى أن مرور عشرة أشهر دون إرسالها خلق حالة من الجمود المالي، وأثر بشكل مباشر على النفقات التشغيلية والاستثمارية في معظم مؤسسات الدولة.
وأضاف أن هذا التأخير عطّل صرف العلاوات والترفيعات، وأوقف عمليات التوظيف في العديد من الوزارات والهيئات، كما حال دون إغلاق الحسابات الختامية للعام الحالي، وهو ما يهدد بانعكاسات واسعة على ثقة المستثمرين والجهات الدولية بقدرة العراق على إدارة ملفه المالي بشفافية.
ورغم تحرك عدد من النواب وجمع توقيعات كافية لاستجواب رئيس الوزراء، بحسب تصريحات السلامي، فإن رئاسة مجلس النواب لم تُدرج حتى الآن هذا الطلب على جدول أعمال الجلسات المقبلة، ما فتح باب الاتهامات بمحاولة "التسويف السياسي" أو التواطؤ في إطالة أمد الأزمة.
وفي الوقت الذي يصر فيه النواب المطالبون بالاستجواب على المضي قدماً في إجراءاتهم الرقابية، يلتزم مكتب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الصمت، دون تعليق رسمي على الأزمة أو تحديد موعد لإرسال الجداول، رغم الضغوط المتصاعدة من البرلمان والرأي العام.
ويرى مراقبون أن هذه الأزمة قد تشكّل اختبارًا حقيقيًا لقدرة حكومة السوداني على التعامل مع الاستحقاقات الدستورية بشفافية وجدية. كما أنها تكشف عن هشاشة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، التي لطالما طغت عليها الاعتبارات السياسية أكثر من الممارسات المؤسسية.
وفي ظل هذا التصعيد، يبدو أن الأيام المقبلة ستحدد ملامح المرحلة القادمة، سواء باتجاه انفراج سياسي يعيد الأمور إلى نصابها القانوني، أو بتفاقم الخلاف ليأخذ أبعاداً أعمق قد تشمل تعديلات وزارية أو حتى تغييرات في شكل التحالفات داخل مجلس النواب.