تجار إيران ينتفضون ضد هيمنة الحرس الثوري على الاقتصاد

محللون يشيرون إلى أن خامنئي لا يستطيع إثارة غضب الحرس الثوري بالحد من نفوذه الاقتصادي، بالنظر إلى دوره في قمع الاحتجاجات.

طهران - انقلب تجار الأسواق في إيران، وهم الطبقة التي شكلت العمود الفقري لتمويل الثورة الإسلامية عام 1979، على رجال الدين؛ مما أجج اضطرابات ناجمة عن الوضع الاقتصادي المتردي، تحولت لاحقاً إلى احتجاجات واسعة النطاق ضد الحكومة.

وتصاعد الإحباط بين تجار الأسواق (البازار) ـ من أصحاب المتاجر الصغيرة إلى كبار تجار الجملة ـ مع تضاؤل نفوذهم السياسي والاقتصادي بمرور الزمن، في وقت أحكم فيه الحرس الثوري قبضته على الاقتصاد، مشكلاً شبكات مترامية الأطراف وشديدة الإحكام للسيطرة على السلطة.

وقال تاجر في (بازار طهران الكبير)، اشترط عدم نشر اسمه "نحن نعاني؛ إذ لا نستطيع استيراد السلع بسبب العقوبات الأميركية وسيطرة الحرس الثوري ـ أو المقربين منه ـ وحدهم على الاقتصاد. إنهم لا يفكرون إلا في مصالحهم الخاصة".

واندلعت موجة الاحتجاجات، التي اجتاحت البلاد وشكلت أحد أصعب التحديات التاريخية للقيادة الدينية، في أواخر ديسمبر/كانون الأول في بازار طهران الكبير، حيث ندد المئات من أصحاب المتاجر بالهبوط الحاد في قيمة الريال. وسرعان ما اتسعت المظاهرات وتحولت إلى طابع سياسي يتحدى شرعية الجمهورية الإسلامية؛ إذ أحرق متظاهرون صور الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي، ورددوا هتاف "الموت للدكتاتور"، دون اكتراث بقوات الأمن المزودة بالغاز المسيل للدموع والهراوات، وفي حالات كثيرة بالذخيرة الحية.

ورغم اعتراف حكام إيران بالصعوبات الاقتصادية، فقد اتهموا خصومهم التقليديين في الولايات المتحدة وإسرائيل بإثارة الاضطرابات. ويبدو أنهم مصممون على التمسك بالسلطة بأي ثمن، مدعومين بأجهزة أمنية صقلتها خبرات عقود في قمع الثورات العرقية والحركات الطلابية والاحتجاجات المعيشية.

وقد حدَّ مزيج من العقوبات الدولية وتمدد الإمبراطورية الاقتصادية للحرس الثوري من قدرة الحكومة على تخفيف وطأة الوضع المعيشي. وفي هذا السياق، يرى المحلل المقيم في طهران، سعيد ليلاز، أن الحكومة فقدت السيطرة على الوضع، مضيفاً "ما يلفت النظر هو أن الاضطرابات بدأت من قلب السوق. المشكلة الأساسية للتجار ليست التضخم فحسب، بل تقلب الأسعار الذي جعلهم غير قادرين على اتخاذ قرارات الشراء أو البيع".

وأدت الفوارق الطبقية بين الإيرانيين العاديين والنخبة من رجال الدين والأمن، إلى جانب سوء الإدارة والفساد الحكومي ـ الذي تتحدث عنه حتى وسائل الإعلام الرسمية ـ إلى زيادة حدة الاستياء، في وقت يدفع فيه التضخم أسعار السلع إلى مستويات تفوق القدرة الشرائية لمعظم الناس. وفقد الريال الإيراني ما يقرب من نصف قيمته مقابل الدولار في عام 2025، ووصل التضخم الرسمي إلى 42.5 بالمئة في ديسمبر/كانون الأول.

السيطرة الشاملة: من النفط إلى البناء

حصل الحرس الثوري، الذي أنشأه مؤسس الجمهورية الإسلامية الراحل آية الله روح الله الخميني، على موطئ قدم اقتصادي لأول مرة بعد الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينيات، عندما سمح له حكام البلاد بالاستثمار في القطاعات الرائدة. وزاد نفوذه بشكل مطرد عبر العقود، مستفيداً من الدعم المطلق لخامنئي ومن الفرص التي خلقتها العقوبات الغربية، والتي أدت إلى استبعاد إيران فعلياً من النظام المالي والتجاري العالمي.

ويسيطر الحرس الثوري حالياً على قطاعات اقتصادية عديدة تمتد من النفط إلى النقل والاتصالات والبناء. وقال تاجر سجاد في طهران يبلغ من العمر 62 عاماً "إن الأزمة لم تنتهِ بعد؛ لأن الحرس أثبت براعته في الدفاع عن مصالحه. تريد الحكومة حل المشكلة، لكنها تفتقر إلى الوسائل والقوة في هذا النظام؛ فهي لا تسيطر فعلياً على الاقتصاد".

وأصبحت كافة جوانب تجارة النفط المتضررة من العقوبات تحت السيطرة المتنامية للحرس الثوري؛ بدءاً من "أسطول الظل" الذي يضم ناقلات تشحن النفط الخام سراً، وصولاً إلى الخدمات اللوجستية والشركات الوهمية التي تبيع النفط، ومعظمه إلى الصين. وقال مسؤول إيراني رفيع المستوى طلب عدم ذكر اسمه "لا أحد يعرف كم من أموال النفط التي يحصل عليها الحرس الثوري تعود إلى البلاد... إنهم أقوى من أن تُوجه إليهم أسئلة بهذا الشأن".

وكان الرئيس السابق حسن روحاني قد اشتبك مراراً مع الحرس الثوري خلال فترتي رئاسته (2013-2021)، واتهمه علناً بمقاومة خفض الموازنة، لكن محاولاته للحد من شبكاتهم التجارية وامتلاكهم للأصول باءت بالفشل.

رهان السلطة على القمع

رغم تخليها عن زمام السلطة الاقتصادية، لا تزال المؤسسة الدينية تعتمد على القوات الموالية لها، الممثلة في الحرس الثوري وقوات "الباسيج" شبه العسكرية، في الحفاظ على النظام السياسي وسحق الانتفاضات.

وقال أحد المقربين من روحاني "بالنظر إلى الظروف الحساسة والتهديدات الخارجية، لا يمكن لخامنئي إثارة غضب الثوري بالحد من نفوذه الاقتصادي؛ فالمؤسسة تحتاج إليه لقمع الاحتجاجات ومواجهة التهديدات الخارجية".

وبحسب وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، فقد تأكد مقتل 496 متظاهراً و48 من قوات الأمن، واعتقال 10681 شخصاً منذ بدء الاحتجاجات في 28 ديسمبر/كانون الأول، وهي أرقام لم يتسنَّ لرويترز التحقق منها بشكل مستقل. وفي المقابل، لم تعلن السلطات الإيرانية عن إحصاءات رسمية شاملة، لكن مسؤولين ذكروا أن "إرهابيين ومثيري شغب" مرتبطين بأعداء أجانب قتلوا عدداً كبيراً من أفراد قوات الأمن.