"تحرير العقل" من التنوير إلى العلم

كتاب الناقد المصري جابر عصفور يكشف عن مهمة المثقف الأولى في تحرير عقول أبناء الوطن من كل ما يحول دون استقلالها ووعيها.


العقل والنور.. الأول يشير إلى الثاني إشارة السبب إلى النتيجة


الترابط بين العقل والنور موجود في اللغات الأخرى


فعل التنوير فعل تحرير بالمعنى المعرفي والوجودي

القاهرة - من أحمد مروان
تناول الناقد جابر عصفور في كتابه "تحرير العقل"، علاقته مع الفلسفة منذ بواكير تكوينه الفكري وانشغاله بالاهتمامات الفكرية والثقافية، وكيف تأثر بمجموعة من المفكرين والمبدعين الذين انعكست آراءهم على افكاره وكتاباته في وقت لاحق.
 يقول "شغفت بأفكار فلسفة التنوير عن طريق تأثري بكتابات جيل ثورة 1919. أعني كتابًا عظامًا من أمثال أحمد لطفي السيد ومحمد حسنين هيكل وطه حسين وعباس العقاد وسلامة موسى، وغيرهم من أبناء الجيل الذي علمنا معاني الحرية والعدالة الاجتماعية المقترنة بالعدالة المعرفية، وأهم من ذلك كله العقلانية التي هي الأساس الفكري لكل القيم والمبادئ السابقة، خصوصًا في اقترانها بالنزعة الإنسانية، من منظورها الثقافي المقترن بالتنوع الذي لا ينفصل عن قبول الآخر وحق الاختلاف".

تحرير العقل
العقلانية هي الأساس الفكري لكل القيم والمبادئ 

ويكشف المؤلف كيف أنه تعلم من طه حسين على وجه الخصوص معنى حق الخطأ وعدم الخوف من الاجتهاد حتى لو كانت البيئة المحيطة معادية للاجتهاد. ويكشف أيضا أنه تعلم منه ومن أقرانه الدور الذي يقوم به المثقف فى مجتمعات متخلفة مثل مجتمعاتنا العربية التي استبدلت بتراثها العقلاني العظيم تراثها النقلي التقليدي الاتباعي الذي قادها إلى الانحدار على كل المستويات.
يرى عصفور أن تحرير عقول أبناء الوطن من كل ما يحول دون استقلال هذه العقول ووعيها النقدي الخلاق هو المهمة الأولى لمثقف الاستنارة، وهو واجبه المقدس الذي يدفعه إليه إدراكه للهوية الوطنية لإسلامه الذي يتمايز تاريخيًا عن إسلام غيره من أقطار العالم الإسلامي.
 إنه إسلام مصر التي فرضت على الإمام الشافعي أن يغير ثلاثين مسألة من مسائل فقهه، إسلام مصر التي تأصلت روح التسامح الديني فيها وقبول الاختلاف العقائدي، سواء على مستوى الدين الإسلامي بمذاهبه المتعددة، أم على مستوى علاقة الدين الإسلامي بغيره من الأديان.
يقول: "لقد حدثنا مثقفو ثورة 1919 عن خصوصية مصر الثقافية، كما حدثنا جمال حمدان عن عبقرية مكانها. ولذلك ظلت صياغتها الإسلامية الخاصة التي أطلقت عليها – ذات مرة – اسم إسلام النهر. وهي الصياغة التى تحولت عبر القرون إلى عنصر تكويني في الهوية الوطنية المصرية بمكوناتها الدينية الخاصة بها. ولقد كانت هذه الهوية هي التي دفعت الجماهير المصرية في الثلاثين من يونيو لإسقاط حكم الإخوان المتحالف مع السلفية لقيام هذا الحكم على تأويلات دينية مغايرة لطبيعة الهوية الوطنية المصرية بخصائصها المتجذرة في عبقرية المكان المتعامد على حقب الزمان الذي جعل جيل ثورة 1919 يتحدث عن إسلام مصري، وأدب مصري على السواء، لهما من الخصوصية ما لا يتناقض والإسلام العام، أو العروبة بمعناها الشامل".

ويذكر المؤلف أن عددًا من فصول هذا الكتاب سبق نشره فى كتاب "أنوار العقل" سنة 1996، وهو إذ يعيد وضعها  في هذا الكتاب مع ما يضيف إليها ليجعل من فعل التنوير فعل تحرير بالمعنى المعرفي والوجودي. وهو أمر فرضه فارق متغيرات ما يقرب من عشرين عامًا. وهو فارق يدفعه مع غيره من دعاة التنوير الذين صاروا أكثر عددًا إلى أن يكونوا أكثر إلحاحًا على تحرير العقول التي تحلم بمستقبل أكثر عدلاً وحرية وتقدمًا وديمقراطية.

 تعلمت من طه حسين ومن أقرانه معنى حق الخطأ وعدم الخوف من الاجتهادن، وتعلمت الدور الذي يقوم به المثقف في مجتمعات متخلفة مثل مجتمعاتنا العربية التي استبدلت بتراثها العقلاني العظيم تراثها النقلي التقليدي الاتباعي الذي قادها إلى الانحدار على كل المستويات

ويوضح صاحب "تحرير العقل" أنه كلما فكر في كلمة التنوير وترابطاتها الدلالية تداعى إلى ذهنه مدلولين: العقل والنور، الأول يشير إلى الثاني إشارة السبب إلى النتيجة. والثاني يشير إلى الأول إشارة المعلول المتعدد الأبعاد إلى العلة الواحدة المتجددة. هذا الترابط بين العقل والنور، كما يرى المؤلف موجود في اللغة الإنكليزية التي صاغت من دلالة النور Light صيغة الفعل ينير enlight-en ومصدره التنوير، أو الإنارة enlightment. ولا تختلف هذه الدلالة الاشتقاقية فى اللغة الفرنسية عنها فى اللغة الإنكليزية أو الألمانية أو غيرها من اللغات الأوربية.
ينقسم الكتاب إلى خمسة أقسام، القسم الأول بعنوان "من التنوير إلى العلم"، وقد تناول فيه معنى التنوير، والتنوير والاستنارة، الدين والعلم والمال، التقاليد والحداثة، التجريب في حياتنا، العلم في ثقافتنا السائدة.
وجاء القسم الثاني بعنوان الأصولية ولوازمها القمعية، وتناول فيه الأصولية، التسامح والتعصب في الثقافة العربية، المفكر العربى المعاصر فى مواجهة التعصب والقمع، دلالة طعنة.
القسم الثالث تحت عنوان "في تجديد الخطاب الديني"، وتناول فيه الناقد، الثقافة والدين، عن تجديد الفكر الديني، العقل السلفي، وعن السفور والحجاب.
وفي القسم الذي يحمل عنوان "شخصيات مستنيرة" تناول كلا من : جرجي زيدان رائدًا للاستنارة، وفكر طه حسين.
وتحدث في القسم الأخير على هوامش عن الكتاب – الأزمة، دلالة الحضور المدني، ديكارت صاحب الكرامات، طائفة قليلة من المستنيرين، ومسلك المحدثين.
 وكتاب "تحرير العقل" صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2018 ويقع في نحو 431 صفحة من القطع المتوسط. (وكالة الصحافة العربية)