تحقيقات تكشف مسار أموال مشبوهة بين تركيا وليبيا
أنقرة/طرابلس - سلّطت تحقيقات صحفية تركية حديثة الضوء على واحدة من أضخم قضايا غسل الأموال التي جرى تفكيكها في تركيا خلال الأعوام الأخيرة، كاشفةً عن خيوط معقدة امتدت بين إسطنبول وليبيا، مع إشارات إلى ارتباطات إقليمية أوسع تشمل جهات عراقية وتحقيقات ذات طابع دولي.
ووفق ما أورده موقع " هالك تي في" الإخباري التركي مختص بالشؤون الاستقصائية، فإن الشبكة التي خضعت للملاحقة الأمنية اعتمدت على آليات مالية وتقنية متطورة، أبرزها استخدام أجهزة نقاط البيع الإلكترونية، في عمليات يُشتبه بأنها استُخدمت لتحويل أموال ضخمة بطرق غير مشروعة. وتشير المعطيات إلى أن هذه المنظومة بدأت بالتشكل خلال عامي 2021 و2022، وهي الفترة التي شهدت تحركات لافتة لمسؤولين مصرفيين أتراك إلى ليبيا.
وتفيد المعلومات بأن اثنين من كبار التنفيذيين في أحد البنوك الخاصة، ورد اسماءهما ضمن ملفات التحقيق، قاما بعدة زيارات إلى ليبيا خلال تلك المرحلة. اللافت في الأمر، بحسب المصدر ذاته، أن دخولهما البلاد لم يكن بصفتهما المهنية الحقيقية، إذ قُدّما في طلبات التأشيرة على أنهما يعملان في مجال الهندسة، وبضمانة شركة تنظيف محلية، من دون الإفصاح عن طبيعة المهمة أو خلفيتها المالية.
ويأتي هذا التطور في سياق قضية أوسع أعلنت عنها السلطات القضائية في إسطنبول مطلع يوليو/تموز 2025، عندما أصدر مكتب الادعاء العام أوامر بتوقيف 85 شخصاً، بينهم موظفون في بنوك خاصة وشركات متخصصة بالدفع الإلكتروني. كما شملت الإجراءات مصادرة شركات تحويل أموال، ومحال مجوهرات، ومكاتب صرافة، ومؤسسات تجارة خارجية، في عملية وُصفت بأنها من أكبر الضربات التي استهدفت شبكات مالية غير قانونية في البلاد.
ولا تبدو هذه القضية منفصلة عن الواقع الليبي المعقّد، إذ تُظهر تقارير دولية متخصصة أن ليبيا أصبحت خلال السنوات الأخيرة بيئة عالية الخطورة للجرائم الاقتصادية. فقد صنّف تقرير دولي صدر عام 2025 البلاد ضمن أكثر الدول عرضة لغسل الأموال والفساد المالي والجريمة المنظمة، في ظل هشاشة أمنية واقتصادية وتراجع فعالية مؤسسات الرقابة.
ويربط خبراء هذا الوضع بالانقسام السياسي المستمر وتعدد مراكز النفوذ، ما أضعف قدرة الدولة على تطبيق القوانين المتعلقة بمكافحة الجرائم المالية، رغم وجود أطر تشريعية رسمية. ويؤكد مختصون أن غياب التنسيق بين الجهات المعنية سهّل استغلال النظام المالي الليبي في عمليات مشبوهة، محذرين من أن استمرار هذه الممارسات قد يجر البلاد إلى عقوبات دولية تطال أصولها ومؤسساتها المصرفية.
وتشير تقارير محلية ودولية إلى أن جماعات مسلحة تفرض نفوذاً واسعاً على قطاعات حيوية، من بينها النفط والوقود والمعابر الحدودية، مستغلة موارد الدولة لتحقيق مكاسب مالية. كما تُتهم بعض هذه الجماعات بإدارة شبكات تهريب واتجار غير مشروع، تُعاد تدوير عائداتها عبر قنوات مالية داخل ليبيا وخارجها.
ويرى محللون أن بعض الفصائل المسلحة تحاول في السنوات الأخيرة إعادة تقديم نفسها كشريك في جهود مكافحة الجريمة أو ضبط الحدود، في محاولة لاكتساب شرعية سياسية ودولية. غير أن خبراء يشككون في جدوى هذه المساعي، معتبرين أنها لا تعكس تحولاً حقيقياً طالما استمرت الأنشطة التي تُقوض الاقتصاد وتعرقل بناء مؤسسات الدولة.
وتتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار التداخل بين الجريمة المنظمة وغسل الأموال إلى تعميق حالة عدم الاستقرار، وخلق بيئة خصبة لتصاعد العنف وتراجع سلطة القانون. كما قد يدفع هذا الواقع مؤسسات مالية دولية إلى اتخاذ إجراءات صارمة، ما ينعكس سلباً على الاستثمار ويزيد من معاناة المواطنين.
ويرجّح مراقبون أن القضية التي فجّرتها التحقيقات التركية لا تمثل سوى جزء محدود من شبكة أوسع من الأنشطة غير المشروعة المرتبطة بليبيا. ويؤكدون أن غياب الإصلاحات الجذرية، واستمرار سيطرة الجماعات المسلحة على موارد اقتصادية حساسة، سيبقي البلاد عرضة لمزيد من الفساد ويقوض فرص التعافي.
وفي هذا الإطار، يدعو خبراء ومسؤولون دوليون إلى توحيد المؤسسات الرقابية، وتعزيز الشفافية، والحد من نفوذ الميليشيات، باعتبارها شروطاً أساسية لكبح تمدد شبكات غسل الأموال وإعادة الاقتصاد الليبي إلى مسار الاستقرار وبناء الدولة.