تراخ دولي في مواجهة إيران يدفعها لتصعيد أكبر
فيينا - استبقت إيران اجتماعا مقررا الأسبوع المقبل لمجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية بحملة ضغوط على الوكالة شملت تهديدا صارما بإنهاء اتفاق كانت أبرمته معها يبقي مؤقتا على معظم عمليات المراقبة التي تقوم بها الوكالة لأنشطتها.
وتمضي إيران في التصعيد مستفيدة من حالة تراخ دولي غير مفهومة ومن اندفاع أوروبي لإنقاذها من المأزق النووي بمنطق أن إتاحة الفرصة للحل الدبلوماسي، لكن الجمهورية الإسلامية لم تبد حتى الآن ليونة تسمح باستئناف المسار الدبلوماسي.
والوقت ينفد من الجميع مع اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية في إيران وهي معركة وجود بين المحافظين المتشددين والإصلاحيين الراغبين في تسوية أزمة الملف النووي لكن ليس بآي ثمن يعرض حظوظهم الانتخابية للخطر.
وحذرت إيران في وثيقة أنه إذا تبنى مجلس الوكالة مسعى تقوده الولايات المتحدة لانتقاد طهران الأسبوع المقبل، فإنها ستنهي تعاونها نهائيا مع الوكالة.
ويأتي التهديد الإيراني في سياق موجة تصعيد بدأتها طهران قبل أسابيع لتحسين موقعها في حال العودة للاتفاق النووي للعام 2015 وذلك من أجل انتزاع مكاسب سياسية تشمل رفعا كاملا للعقوبات التي فرضها عليها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عقب إعلانه التحلل نهائيا من اتفاق العام 2015.
وقلصت طهران هذا الأسبوع تعاونها مع الوكالة التابعة للأمم المتحدة وأنهت إجراءات تفتيش إضافية كانت مطبقة بموجب الاتفاق النووي الذي أبرمته مع قوى عالمية في 2015، في أحدث خطوة للرد على إعادة فرض عقوبات أميركية عليها بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق في 2018.
وفي وثيقتها المرسلة إلى بقية أعضاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبيل الاجتماع ربع السنوي الأسبوع المقبل لمجلس محافظي الوكالة، قالت الولايات المتحدة إنها تريد مشروع قرار "يُعبر عن قلق المجلس العميق في ما يتعلق بتعاون إيران مع الوكالة".
وذكرت الوثيقة الأميركية أنه يتعين على المجلس أن يدعو إيران إلى العدول عن انتهاكاتها للاتفاق والتعاون مع الوكالة لتفسير سبب العثور على جسيمات يورانيوم في مواقع قديمة غير معلنة، في نتائج أكدها تقرير الوكالة هذا الأسبوع.
وقالت طهران بدورها في وثيقتها "إيران تعتبر هذه الخطوة مدمرة وتمثل نهاية للتفاهم المشترك الذي تم التوصل إليه في 21 فبراير بين الوكالة والجمهورية الإسلامية الإيرانية"، في إشارة لاتفاق مع المدير العام للوكالة رافائيل غروسي أبرم أول الأسبوع.
وأضافت أن هذا "قد يؤدي إلى المزيد من التعقيدات في الاتفاق النووي"، مشيرة إلى أن فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة "كشفت عن خططها" بشأن مشروع قرار للمجلس. وقال دبلوماسيون إنه لم يتضح بعد إن كان المجلس سيتبنى مشروع قرار.
ولم تذكر إيران الإجراءات التي أوقفت تنفيذها هذا الأسبوع، لكنها قالت إنها تشمل ما يطلق عليه البروتوكول الإضافي الذي يتيح للوكالة الدولية إجراء عمليات تفتيش مفاجئة في مواقع غير معلنة.
وكان البرلمان الإيراني قد تبنى قرارا يلزم الحكومة بمنع عمليات التفتيش المفاجئة للمنشآت النووية وهو أمر منصوص عليه في البروتوكول الإضافي للاتفاق النووي للعام 2015.
وثمة انقسامات حادة في إيران بين المحافظين الذين يهيمنون على البرلمان والاصلاحيين الذين يقودون الحكومة وكان لهم الفضل في التوصل للاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل المشتركة الشاملة والذي فرض في عهد إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما قيودا على أنشطة إيران النووية مقابل رفع للعقوبات.
لكن الرئيس الجمهوري الذي غادر البيت الأبيض في 20 يناير بعد خسارته في سباق الانتخابات الرئاسية، كان قد انسحب من الاتفاق في مايو/ايار 2020 وأعاد العمل بنظام العقوبات السابق وفرض المزيد منها بشكل أكثر إيلاما وضع الاقتصاد الإيراني على حافة الإفلاس.
ووجد الرئيس الديمقراطي المنتخب حديثا جو بايدن الذي يرغب في العودة للاتفاق بشروط، نفسه عالقا في دوامة من الإجراءات المعقدة من تركة سلفه دونالد ترامب بحيث أن العودة لمسار الدبلوماسية مع إيران يحتاج جهدا كبيرا.
وفي المقابل فقد لغمت إيران مسار التفاوض حتى قد أن تدخله، بالمزيد من الاشتراطات ما يعقد جهود الحل الدبلوماسي أو يرحله إلى اجل غير مسمى حتى يتم ايجاد أرضية توافق بينها وبين واشنطن حول من يقطع الخطوة الأولى.
وتطالب الحكومة الإيرانية واشنطن بالعودة أولا للاتفاق النووي للعام 2015 دون قيد أو شرط ودون أي تعديلات على بنوده، متمسكة أيضا بأن ترفع إدارة بايدن عنها أولا كل العقوبات مع ضمانات مكتوبة بعدم العودة ابدا لنظام العقوبات.
وترفض الإدارة الأميركية منح إيران صكا على بياض مع قناعتها أن طهران لا يؤتمن جانبها وأنه يتوجب عليها أولا العودة عن كل الانتهاكات النووية قبل أي حوار.
ويخشى الرئيس الأميركي في حال قدم أي تنازل لإيران أن يتعرض لحملة انتقادات واسعة من معسكره ومن المعسكر الجمهوري الذي يرفض بغالبيته العودة أصلا للاتفاق النووي للعام 2015.
وأي عودة أميركية للاتفاق وفق الشروط الإيرانية ستعتبرها طهران نصرا لها وضعفا من قبل إدارة بايدن.
كما تقف إسرائيل على الضفة الأخرى على رأس المعارضين لعودة واشنطن للاتفاق النووي أو للمسار السابق، فيما تخشى إدارة بايدن في حال المضي قدما في مرونتها إزاء الانتهاكات النووية الإيرانية أن تتعرض لضغوط شديدة من اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة.
والعلاقات بين إسرائيل والإدارة الأميركية تمر بحالة من الفتور على خلفية الخلافات حول طريقة التعاطي مع الانتهاكات الإيرانية ومع الملف النووي المثير للقلق إقليميا ودوليا.