ترامب: أخلاقي الشخصية القانون الدولي الوحيد

الرئيس الأميركي يقول انه لا يرى نفسه مقيّداً بقواعد خارجية طالما أنه لا يستهدف إلحاق الأذى بالمدنيين.

واشنطن – فجّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب موجة جديدة من الجدل بعد تصريحات أدلى بها في حوار صحافي، قال فيها إن العامل الوحيد الذي يحدّ من قراراته العسكرية خارج حدود بلاده هو "ضميره الشخصي" وليس القانون الدولي، في إشارة اعتبرها مراقبون اختزالاً غير مسبوق لسلطات الحرب في شخص الرئيس بعيداً عن أي ضوابط مؤسسية أو قانونية.
وجاءت هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه الانتقادات داخل الولايات المتحدة وعلى الساحة الدولية لنهج ترامب القائم على اتخاذ قرارات عسكرية منفردة، دون الرجوع إلى الكونغرس أو الالتزام الصارم بالأطر التي يفرضها القانون الدولي. وقد زادت هذه المواقف من المخاوف بشأن اتساع دائرة استخدام القوة الأميركية ضد دول متعددة، لا سيما بعد التطورات الأخيرة في فنزويلا.
وفي مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، أعقبها سيل من ردود الفعل، أوضح ترامب أن تساؤلات حول حدود تحركاته العسكرية لا تجد جواباً سوى في "أخلاقياته"، مضيفاً أنه لا يرى نفسه مقيّداً بقواعد خارجية طالما أنه، من وجهة نظره، لا يستهدف إلحاق الأذى بالمدنيين. كما قلّل من أهمية المرجعيات القانونية الدولية، معتبراً أن الالتزام بها مسألة تخضع لتفسيرات متباينة.
وتُعرف الولايات المتحدة بموقفها المتحفظ تجاه عدد من المؤسسات القضائية الدولية، إذ لم تنضم إلى المحكمة الجنائية الدولية، وسبق أن رفضت أو تجاهلت أحكاماً صادرة عن محكمة العدل الدولية، ما يعزز، بحسب منتقدي ترامب، صورة الإدارة الأميركية كقوة تتعامل مع القانون الدولي بانتقائية.
وتأتي هذه التصريحات أيضاً في سياق تاريخ حافل بالمواجهات القانونية التي لاحقت ترامب داخلياً. فقد تعرّض لمحاولتي عزل خلال ولايته الأولى، كما واجه لاحقاً إدانات واتهامات جنائية وفدرالية، شملت قضايا تتعلق بسلوكه الانتخابي وتمويل حملاته، قبل أن تؤدي عودته إلى البيت الأبيض إلى إسقاط بعض تلك الملفات.
ورغم تقديم نفسه مراراً على أنه "رئيس يسعى إلى السلام" وطموحه المعلن للفوز بجائزة نوبل، فإن ولايته الرئاسية الثانية شهدت تصعيداً عسكرياً لافتاً. فقد أعطى أوامره بتنفيذ ضربات ضد منشآت نووية إيرانية خلال الصيف الماضي، وسبق ذلك إشرافه على عمليات عسكرية استهدفت دولاً في الشرق الأوسط وأفريقيا، بينها العراق وسوريا واليمن والصومال ونيجيريا.
ومع تزايد ثقته السياسية، صعّد ترامب من لهجته تجاه دول أخرى، ملوّحاً باستخدام القوة ضد خصوم محتملين، من بينهم كولومبيا وإيران والمكسيك، إضافة إلى إقليم غرينلاند الخاضع للسيادة الدنماركية، في خطوة أثارت استغراب حلفاء واشنطن داخل حلف شمال الأطلسي.
وفي أحدث فصول هذا التصعيد، أعلن ترامب عزمه توسيع العمليات العسكرية لتشمل هجمات برية ضد شبكات تهريب المخدرات، عقب ضربات جوية وبحرية استهدفت قوارب في مناطق من البحر الكاريبي والمحيط الهادئ. وقال في مقابلة تلفزيونية إن بلاده لن تتردد في استهداف الكارتيلات داخل المكسيك، واصفاً الوضع هناك بأنه “مأساوي”.
ويرى محللون أن تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي المكسيكية سيمثل تحولاً خطيراً في السياسة الأميركية، خاصة في ظل تأكيد ترامب سابقاً أنه مارس ضغوطاً على الرئيسة المكسيكية، كلاوديا شينباوم، للسماح بدخول قوات أميركية لمحاربة عصابات المخدرات.
أما في ما يتعلق بغرينلاند، فلم يستبعد ترامب خيار الاستحواذ عليها، سواء عبر التفاوض أو بوسائل أخرى، معتبراً أن السيطرة الأميركية على الإقليم تمثل، بحسب تعبيره، ضرورة "نفسية" لضمان التفوق والنجاح الاستراتيجي للولايات المتحدة.
وتعكس هذه المواقف، وفق مراقبين، توجهاً أميركياً أكثر اندفاعاً نحو استخدام القوة، يضع الأخلاق الفردية للرئيس في مواجهة منظومة كاملة من القوانين والأعراف الدولية، ويثير تساؤلات عميقة حول مستقبل النظام العالمي في ظل هذا النهج.