'ترند الصداقة ' يدق جرس الإنذار على الصحة النفسية للمراهقين

حالات لحروق بليغة وتشوهات دائمة، بعضها من الدرجة الثانية والثالثة استدعت تدخلًا طبيًا عاجلًا.

القاهرة – أثار "تحدي الماء المغلي" موجة غضب واستنكار واسعة، بعد انتشاره بين المراهقين على منصات التواصل الاجتماعي حيث يشجع بعض المستخدمين بعضهم على سكب ماء مغلي على أيديهم كـ"رمز للثقة والصداقة"، ثم تصوير رد فعل الطرف الآخر أثناء تحمل الألم. هذا التحدّي الذي يبدو في الظاهر "مزحة"، سرعان ما أثار تحذيرات واسعة من مختصين في الصحة والسلامة الرقمية.

ومع اتساع رقعة الترند، سُجّلت حالات عديدة لحروق بليغة وتشوهات دائمة، بعضها من الدرجة الثانية والثالثة، استدعت تدخلًا طبيًا عاجلًا ونقل المصابين إلى المستشفيات. والأخطر أن التحدي لم يقتصر على المراهقين فقط، بل امتد ليشمل أطفالًا صغارًا، ما ضاعف حجم الصدمة والغضب تجاه استغلال البراءة في محتوى خطير بحثًا عن المشاهدات والتفاعل.

وحذّرت مؤسسات طبية دولية من العواقب الوخيمة لهذا السلوك، مؤكدة أن الحروق العميقة قد تؤدي إلى التهابات خطيرة، وتلف دائم في الأعصاب، بل وقد تستدعي عمليات جراحية معقدة كزراعة الجلد. كما شدد الأطباء على أن الندوب الجسدية والنفسية التي يخلّفها هذا التحدي قد ترافق الضحايا طوال حياتهم، داعين الأسر والمدارس إلى التدخل العاجل للتوعية بخطورة هذه "الترندات القاتلة".

وبحسب التقارير فإن الترند لا يقتصر على مزاح أو أداء تمثيلي فحسب، بل غيّر مسار بعض الشباب والمراهقين من كونه تحدٍّيا واعيا إلى سلوك جسدي حقيقي يشكل مخاطر صحية جسيمة. رغم أن الوصف الشائع يشير إلى "إثبات الوفاء والثقة"، إلا أن واقع الحال هو أن الماء المغلي قد يسبب حروقًا من الدرجة الثانية والثالثة إذا لم يتم التعامل معه بحذر طبي وهو ما حذّر منه خبراء الصحة مرارًا في حالات مشابهة من التحديات الخطرة.

ويعبر الأطباء الذين يتعاملون مع نتائج تحديات خطرة على وسائل التواصل عن قلقهم المتزايد. ففي مقابلة مع طبيب طوارئ من شيكاغو، وصف فيه الطفح الرياضي وراء تحديات تيك توك، وأنه شهد حالات إصابة وإدخال أطفال إلى غرف الطوارئ بسبب محاكاة تحديات خطرة، مؤكدًا أن هذه التحديات "قد تبدو مضحكة أو ترفيهية، لكن العواقب الحقيقية في غرفة الطوارئ تختلف تمامًا".

ولم تكن هذه الظاهرة محصورة بتحدّي الماء المغلي فقط؛ فقد تسببت تحديات أخرى في إصابات خطيرة حول العالم، بما في ذلك حروق شديدة لطفلة نتيجة تحدي النار، مما تطلب علاجًا بالمستشفى، إضافة إلى تدخل الأطباء لتحذير الآباء والمجتمعات من مخاطر التقليد الأعمى لهذه الفيديوهات.

ويُشير خبراء السلوك الرقمي إلى أن خوارزميات تيك توك تعزز المحتوى الذي يثير ردود فعل قوية، بما في ذلك التحديات الخطرة، لأنها تعتمد على معدلات المشاهدة والتفاعل. هذا قد يجعل بعض المقاطع الخطرة تظهر بشكل متكرر للمراهقين، حتى لو لم يبحثوا عنها بنية مسبقة.

وردّت منصة تيك توك رسميًا في مناسبات سابقة على انتشار المحتوى الخطير بأنها تعمل على إزالة الفيديوهات التي تشجع على السلوكيات المؤذية، وتستخدم أدوات ذكاء اصطناعي لرصد المحتوى الخطير قبل أن يتسبب في إصابات، لكن الخبراء يرون أن ذلك ليس كافيًا ما لم يصاحبه وعي مجتمعي وأسرية.

وبعد خمس سنوات من العمل البحثي، تكشف دراسة واسعة أعدّتها الوكالة الوطنية الفرنسية للصحة والسلامة "انسيز" عن آثار مقلقة لوسائل التواصل الاجتماعي على صحة المراهقين النفسية، في وقت تسعى فيه فرنسا إلى مقاربة هذا الملف على المستوى التشريعي.

والدراسة التي نُشرت الثلاثاء، اعتمدت على مقاربة غير مسبوقة، إذ لم تكتفِ بالنظر إلى أثر الشاشات بحد ذاتها، أسوةً بالدراسات السابقة التي ركّزت على الضوء الأزرق أو الخمول أو تراجع التركيز، بل انتقلت إلى تحليل محتوى شبكات التواصل الاجتماعي وحجم التفاعل العاطفي الذي تولّده.

ولهذا الغرض، استعانت الوكالة بنحو خمسين خبيرًا من اختصاصات متنوّعة شملت أطباء أطفال، وأطباء نفسيين، وأخصائيي أوبئة، إضافة إلى مختصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، واستندت في تقييمها إلى قاعدة علمية صلبة تضم نحو ألف دراسة.

وخلصت إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي تؤثر سلبًا على الصحة النفسية للمراهقين، مع تسجيل آثار واضحة ومقلقة، مع التشديد في الوقت نفسه على أن هذه المنصات ليست العامل الوحيد وراء تدهور الصحة النفسية، لكنها تشكّل عنصرًا ضاغطًا أساسيًا بآثار سلبية موثقة علميًا.

وأظهرت الدراسة أن الفتيات يتأثرن بشبكات التواصل الاجتماعي أكثر من الفتيان، لأنهن يستخدمن هذه المنصات بوتيرة أعلى، ويمنحن ما يجري عليها أهمية أكبر في حياتهن اليومية. ويضعهن ذلك في مواجهة ضغوط اجتماعية أشد، سواء لناحية التنمّر الإلكتروني أو الامتثال للصور النمطية الجندرية السائدة.

وبرزت مسألة صورة الجسد في هذا الإطار بوصفها عامل خطر أساسي، إذ يؤدي استبطان معايير الجمال، ولا سيما النحافة، إلى رفع احتمالات الإصابة باضطرابات الأكل. ورغم أن هذه الظاهرة موثّقة منذ عقود في سياق مجلات الموضة، إلا أن خصوصية شبكات التواصل الاجتماعي تكمن في أن المقارنة لا تجري مع عارضات أزياء محترفات، بل مع مراهقين آخرين، ما يعمّق الشعور بعدم الرضا عن الذات.