تعاون عسكري بين إسرائيل واليونان ردا على التقارب المصري التركي
أثينا - تتجاوز زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى أثينا إطار العلاقات الثنائية التقليدية، لتكشف عن رسائل سياسية وأمنية أعمق في سياق إقليمي يشهد إعادة تشكيل للتحالفات، لا سيما مع تسارع وتيرة التقارب بين مصر وتركيا في ملفات متعددة تشمل السياسة والاقتصاد والدفاع. فالتفاهمات العسكرية التي تعززها اليونان وإسرائيل لا تُقرأ فقط من زاوية مواجهة التحديات التقنية الحديثة، بل باعتبارها مؤشرًا على قلق متزايد من ديناميكيات إقليمية جديدة في شرق المتوسط.
وخلال الزيارة، شددت أثينا وتل أبيب على أهمية تطوير شراكتهما الدفاعية، في وقت أعلن فيه وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس عن تعاون مع إسرائيل لتطوير تقنيات مخصصة لمواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة، ولا سيما أسرابها، في خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا لطبيعة الحروب الحديثة وتبدل أدواتها.
وجاء هذا الإعلان عقب مباحثات موسعة بين الجانبين في العاصمة اليونانية، استندت إلى اتفاق دفاعي ثلاثي سبق توقيعه بين اليونان وإسرائيل وقبرص، وضع أساسًا لتوسيع التعاون في مجالات التدريب العسكري وتبادل الخبرات والتخطيط الاستراتيجي، خاصة في البيئات البحرية والجوية المعقدة بشرق المتوسط.
وبحسب المسؤولين اليونانيين، فإن إسرائيل تسهم بالفعل في دعم جهود أثينا لبناء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات، في وقت باتت فيه التهديدات غير التقليدية، مثل المنصات غير المأهولة الجوية وتحت المائية، تشكل تحديًا رئيسيًا للأمن القومي لدول المنطقة. ويهدف هذا التعاون إلى تعزيز القدرة على الردع والتكيف مع التحولات التكنولوجية المتسارعة في ساحات الصراع.
من جهته، وصف وزير الدفاع الإسرائيلي الشراكة مع اليونان بأنها عنصر استقرار في محيط متغير، مؤكدًا أن التنسيق الدفاعي بين الطرفين يتجاوز المصالح الثنائية ليشمل أمن شرق المتوسط ككل، في ظل تصاعد المنافسة الجيوسياسية وتداخل الملفات الأمنية والطاقة .
غير أن مراقبين يرون أن هذا التقارب العسكري يحمل في طياته رسائل غير مباشرة موجهة إلى أطراف إقليمية أخرى، في مقدمتها مصر وتركيا، اللتان تشهد علاقتهما تحولًا لافتًا بعد سنوات من القطيعة. فقد بدأت القاهرة وأنقرة خلال الفترة الأخيرة في إعادة بناء جسور التعاون، مستفيدة من إدراك مشترك بأن التحديات الإقليمية تتطلب تنسيقًا أوسع، لا سيما في ظل تداعيات الحرب على غزة والتطورات في سوريا ولبنان.
وتجلى هذا التقارب بشكل واضح في معرض "إيديكس 2025" الذي استضافته القاهرة، حيث عرضت مصر وتركيا أنظمة عسكرية غير مأهولة، جرى تطويرها في إطار تعاون مشترك، في خطوة عكست انتقال العلاقة من مستوى التطبيع السياسي إلى شراكة عملية في المجال الدفاعي.
ويُنظر إلى هذا المسار بوصفه تحولًا استراتيجيًا، خاصة أن العلاقات المصرية–التركية كانت قد تضررت بشدة بعد عام 2013، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من التقارب التدريجي تُرجمت بعودة التمثيل الدبلوماسي وتعزيز الحوار الأمني والعسكري.
ويشهد التعاون الدفاعي بين القاهرة وأنقرة نموًا متسارعًا، يشمل تدريبات مشتركة وتنسيقًا في الصناعات العسكرية، وهو ما يثير مخاوف في إسرائيل التي تتابع هذه التطورات باعتبارها عاملًا قد يؤثر على موازين القوى في المنطقة. وتعتقد تل أبيب أن أي شراكة عسكرية متقدمة بين دولتين محوريتين مثل مصر وتركيا قد تقلص من هامش تفوقها الاستراتيجي.
كما تبدي إسرائيل قلقًا إزاء مساعي مصر لتنويع مصادر تسليحها وتعزيز انتشارها العسكري في شبه جزيرة سيناء، إلى جانب انتقاداتها المستمرة للوجود العسكري التركي في سوريا. وزادت هذه المخاوف حدة في ظل التوتر غير المسبوق الذي تشهده العلاقات التركية–الإسرائيلية عقب الحرب على غزة.
في هذا السياق، يبدو أن تعزيز التعاون العسكري بين اليونان وإسرائيل لا ينفصل عن محاولة تثبيت توازن مضاد في شرق المتوسط، في مواجهة تحالفات مرشحة للتوسع. وبينما تتغير خرائط الاصطفاف الإقليمي، تبرز الشراكات الدفاعية كأدوات رسائل سياسية بقدر ما هي ترتيبات أمنية، تعكس حجم القلق من التحولات الجارية أكثر مما تعكس مجرد تعاون تقني أو عسكري.