تعيين الصلابي مستشارا للمصالحة يشعل جدلا في ليبيا
طرابلس - أثار قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي بتعيين الداعية والسياسي علي الصلابي مستشاراً لشؤون المصالحة الوطنية ردود فعل واسعة ومتباينة داخل المشهد الليبي، ولم يُنظر إليه بوصفه إجراءً إدارياً عادياً ضمن إعادة ترتيب الهياكل الاستشارية للمجلس، بل كخطوة ذات حمولة سياسية ورمزية عميقة، فالتوقيت والشخصية المُعيّنة والسياق العام الذي تعيشه البلاد، جميعها عوامل جعلت القرار مادة للنقاش والجدل أكثر من كونه خطوة تقنية في مسار العمل الحكومي.
وبالنسبة لقطاع واسع من المراقبين، حمل القرار رسائل ضمنية تتجاوز حدود التكليف الوظيفي، إذ بدا وكأنه محاولة لإعادة رسم توازنات داخل المشهد السياسي تحت لافتة “المصالحة الوطنية”، وهي لافتة شديدة الحساسية في بلد ما زال يعيش على وقع انقسام مؤسساتي وجغرافي وأيديولوجي منذ أكثر من عقد.
وفي ليبيا التي أنهكتها الحروب المتعاقبة والانقسامات الحادة، لم تعد المصالحة الوطنية مجرد مفهوم أخلاقي أو سياسي، بل ضرورة وجودية لإعادة بناء الدولة والنسيج الاجتماعي، غير أن التجربة الليبية في إدارة هذا الملف كشفت، حتى الآن، عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي المرتفع حول المصالحة، والممارسات الفعلية على الأرض.
فالمصالحة الحقيقية تتطلب مساراً معقداً وطويلاً، يقوم على الاعتراف بالمظالم، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإنصاف الضحايا، وإعادة بناء الثقة بين المكونات الاجتماعية والسياسية. وهي ليست قراراً يُتخذ ولا منصباً يُمنح، بل عملية مؤسساتية شاملة تحتاج إلى بيئة سياسية محايدة وآليات واضحة للعدالة الانتقالية.
ومن هذا المنطلق، بدا اختيار شخصية مثار جدل مثل علي الصلابي متناقضاً مع روح المصالحة ذاتها، فبدلاً من أن يكون التعيين جسرا للتقارب بين الأطراف المتنازعة، رأى فيه كثيرون خطوة قد تُعيد إنتاج الاستقطاب القديم، لكن هذه المرة تحت غطاء رسمي.
ويفترض أي مسار جدي للمصالحة قدراً معقولاً من الحياد، أو على الأقل قبولاً عاماً بالشخصية المكلفة بإدارته، فالمصالحة لا تُبنى عبر ترتيبات فوقية بين مراكز السلطة فحسب، بل عبر عقد اجتماعي جديد يشمل الضحايا، والمجموعات المسلحة والمناطق المهمشة والمؤسسات الرسمية.
غير أن التجربة الليبية أظهرت أن ملف المصالحة غالباً ما يُستخدم كورقة سياسية عند اشتداد الأزمات، أكثر من كونه مشروعاً وطنياً متكاملاً. وتكليف الصلابي عزز الانطباع بأن هذا الملف بات جزءاً من صراع النفوذ بين النخب، لا إطاراً جامعاً لإعادة بناء الدولة.
ولا يمكن فهم الاعتراضات على القرار دون التوقف عند الخلفية السياسية والفكرية لعلي الصلابي، فهو يُعد أحد أبرز الوجوه المقربة من تيار الإسلام السياسي في ليبيا، وارتبط اسمه، منذ ما قبل 2011، بشبكات فكرية وسياسية لها صلات بجماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى علاقاته مع شخصيات بارزة من الجماعة الليبية المقاتلة.
وهذه الخلفية جعلت صورته مثقلة بالجدل، خاصة في شرق البلاد، حيث يُحمّل كثيرون هذه التيارات مسؤولية مرحلة من العنف والفوضى وضعف الدولة. ومن هنا يبرز السؤال المحوري: كيف يمكن لشخصية يُنظر إليها كجزء من مرحلة الانقسام أن تكون مكلفة بإدارة ملف يُفترض أن يعالج ذلك الانقسام؟
ويزداد الجدل حدة إذا ما استُحضر أن الصلابي مدرج منذ 2017 على قوائم الدول الأربع (السعودية والإمارات ومصر والبحرين) بتهم تتعلق بدعم الإرهاب، كما أدرجه مجلس النواب الليبي ضمن قوائم مشابهة. ورغم أن هذه التصنيفات محل خلاف سياسي، فإنها لا تزال قائمة قانونياً وسياسياً، ولم تُلغ رسمياً.
ومن هذا المنظور، بدا تعيينه لكثيرين بمثابة تحدٍ لفكرة بناء الثقة العامة، ورسالة بأن ملف المصالحة قد يُستخدم لإعادة إدماج شخصيات خلافية بدل فتح صفحة جديدة قائمة على التوافق الواسع.
ولم يأتِ القرار في فراغ زمني، بل تزامن مع تحركات دولية متجددة ضد شبكات مرتبطة بالإسلام السياسي، بما في ذلك تصنيف أميركي حديث لعدد من الكيانات المرتبطة بجماعة الإخوان. وفي السياسة، غالباً ما يكون التوقيت بحد ذاته جزءاً من الرسالة.
وفُهم التعيين لدى البعض باعتباره إشارة مغايرة للاتجاه الدولي العام، ومحاولة لإعادة تثبيت حضور تيار معين داخل مؤسسات الدولة الليبية تحت عنوان المصالحة.
ولا يمكن فصل القرار عن شبكة العلاقات التي تحيط بالصلابي داخل المشهد السياسي الليبي، خاصة علاقاته المعروفة مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها عبدالحميد الدبيبة، وبعض الدوائر المحيطة به. كما أن اسمه ارتبط سابقاً بمبادرات ومؤسسات ذات طابع خيري-سياسي في مرحلة ما بعد 2011، حين كانت الحدود بين العمل المدني والسياسي ملتبسة.
ولذلك، يرى منتقدو القرار أنه قد يكون أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب التحالفات داخل المعسكر الغربي الليبي، أو لخلق توازن جديد بين المجلس الرئاسي والحكومة، أكثر من كونه خطوة مدروسة نحو مصالحة وطنية شاملة تشمل الشرق والجنوب وكل ضحايا النزاع.
ويزداد المشهد تعقيداً حين يُستحضر السياق العائلي للصلابي، فشقيقه إسماعيل كان مرتبطاً بتشكيلات مسلحة في بنغازي خلال سنوات الصراع، بينما يُعد شقيقه الآخر أسامة من القيادات المعروفة داخل جماعة الإخوان المسلمين. كما أن ارتباط الدائرة الفكرية المحيطة به بشخصيات جهادية سابقة مثل أبويحيى الليبي يظل حاضراً في الذاكرة العامة.
وهذه المعطيات تجعل من الصعب على كثير من الليبيين، خاصة في المناطق التي عانت من الحرب، تقبّل الصلابي كوجه توافقي قادر على طي صفحة الماضي.
ومنذ إطلاق المجلس الرئاسي مبادرته للمصالحة الوطنية في 2021 بدعم أممي وإفريقي، لم تُسجّل اختراقات حقيقية تُذكر. بل إن البعثة الأممية نفسها أقرت بأن العملية مسيّسة ومحدودة الأثر.
وفي هذا المناخ الهش، يأتي تعيين شخصية مثيرة للانقسام ليزيد من فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، فالمصالحة لا تُدار بالأسماء المثيرة للجدل، بل عبر مؤسسات وآليات شفافة تضع العدالة في قلب العملية.
ويعكس قرار تعيين علي الصلابي أزمة أعمق تتعلق بكيفية فهم النخب الليبية لمفهوم المصالحة الوطنية. فبدلاً من أن تكون مساراً لبناء الدولة، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع سياسي وإعادة تدوير للتحالفات القديمة.