تغيرات جيوسياسية تحول الساحل إلى ساحة للتنافس الدولي
باماكو – تشهد منطقة الساحل الإفريقي واحدة من أبرز التحولات الجيوسياسية في العقد الأخير، حيث أدى انسحاب القوات الفرنسية والأميركية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى فراغ أمني واستراتيجي كبير. سمح لروسيا والصين بتوسيع نفوذهما السياسي والاقتصادي والعسكري، مما جعل المنطقة ساحة جديدة للتنافس الدولي بين الشرق والغرب.
وتأسس "تحالف دول الساحل" في سبتمبر/أيلول الماضي، مع تفعيل قوة مشتركة لحماية المنطقة. بعد أن أجبرت فرنسا على سحب قواتها من ثلاث دول إفريقية منذ 2022، فيما غادرت بعثة الأمم المتحدة الأراضي المالية أواخر 2023. وهذا الفراغ الأمني أدى إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
وكانت فرنسا تقود العمليات العسكرية في الساحل من خلال عملية برخان، منذ عام 2013، بمشاركة محدودة من الولايات المتحدة في مجالات الاستخبارات والطائرات المسيرة. لكن مع تصاعد الرفض الشعبي والإقليمي للوجود العسكري الفرنسي، وتزايد اتهامات الفشل في محاربة الإرهاب، بدأت الحكومات العسكرية الجديدة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر بطلب انسحاب القوات الغربية.
وبدأت الولايات المتحدة بإغلاق قواعدها، خصوصاً في النيجر حيث كانت تدير قاعدة للطائرات المسيرة في مدينة أغاديز. وهذا الانسحاب غيّر معادلة القوة في الساحل، وفتح الباب أمام تحالفات جديدة مع قوى غير غربية، في مقدمتها روسيا والصين.
وسارعت الدول الثلاث إلى توقيع اتفاقية دفاع مشترك في سبتمبر/أيلول 2023 أسست لـ"تحالف دول الساحل"، وتم تفعيل القوة العسكرية الموحدة للتحالف في 30 سبتمبر/أيلول الماضي، بمقر في نيامي وتعداد مخطط يبلغ 5 آلاف جندي.
وفقاً لتقارير ميدانية، تقدم أوكرانيا دعماً عسكرياً مباشراً للمتمردين الطوارق في حربهم ضد القوات المالية. وأقر متمردون طوارق بتلقي تدريبات متخصصة في أوكرانيا على استخدام طائرات دون طيار وتقنيات قتالية متطورة.
وندد رئيس الوزراء المالي الجنرال عبدالله مايغا، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بالدعم الأوكراني للطوارق، قائلاً "مهما بدا الأمر بعيداً، فإن الحرب في أوكرانيا والإرهاب في الساحل مرتبطان.
وتعزز الوجود الصيني في المنطقة عبر عقود تجارية واستثمارية كبيرة، خاصة في مجال المعادن الثمينة والنادرة.
كما شهدت الفترة الأخيرة تحول النفوذ الصيني من اقتصادي إلى عسكري، حيث عينت بكين أول ملحق عسكري في النيجر، ووقعت مالي عقداً مع شركة "نورينكو" الصينية لتوريد معدات عسكرية متطورة.
وأقدمت الدول الثلاث على خطوات جذرية تمثلت في الانسحاب من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا إكواس مطلع 2025، ثم من المنظمة الدولية للفرنكوفونية، في خطوات تعكس تناقضاً بنيوياً مع السياسات الغربية.
وتشير التطورات إلى أن منطقة الساحل تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، حيث يبدو أن المواجهة بين القوى الدولية في المنطقة لن تكون الأخيرة، في مشهد يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً.
وبعد انسحاب فرنسا، سارعت حكومات مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى التعاقد مع عناصر من فاغنر الروسية أو الشركات الأمنية التي أعادت موسكو هيكلتها بعد وفاة بريغوجين.
وتقدم روسيا الدعم العسكري والاستخباراتي مقابل امتيازات في مجالات التعدين والذهب واليورانيوم.
وفي نفس الوقت تسعى الى ترويج خطاب مناهض للاستعمار الغربي، ما أكسبها شعبية بين الشعوب التي تنظر للوجود الفرنسي باعتباره امتداداً للاستعمار القديم.
وتقدم روسيا نفسها كـ"شريك سيادي" لا يتدخل في الشؤون الداخلية، مما عزز قبولها لدى الأنظمة الانقلابية. وإرسال مدربين ومستشارين عسكريين، وإنشاء مكاتب تنسيق أمني روسية في باماكو وواغادوغو ونيامي.
وعلى عكس روسيا، تعتمد الصين على النفوذ الاقتصادي والتنموي أكثر من العسكري. والاستثمار في مشاريع البنية التحتية والطاقة تمويل وبناء الطرق، والمطارات، ومحطات الكهرباء في مالي والنيجر.
وتقدم الصين نفسها كبديل "تنموي" غير مشروط سياسياً، مقابل الدعم الغربي المشروط بالإصلاحات الديمقراطية، وفتح قنصليات ومكاتب تعاون في معظم دول الساحل، وربطها بمبادرة الحزام والطريق.
ويشكل التحول نحو الشرق (روسيا والصين) بداية نهاية للهيمنة الغربية التقليدية على الساحل. إذ تزايد الشعور الشعبي بالاستقلال عن النفوذ الأوروبي، ما يعزز الشرعية الشعبية للأنظمة العسكرية.
وقد تصبح المنطقة ساحة تنافس ناعم بين موسكو وبكين من جهة، وواشنطن وباريس من جهة أخرى. والتعاون مع روسيا قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام بحقوق الإنسان مقابل التركيز على محاربة الإرهاب.