تفاؤل أممي وشكوك ليبية في نتائج الحوار المهيكل

مخرجات الحوار يمكن أن تشكل أساساً لتقريب وجهات النظر بين المؤسسات المتنازعة، لكنها تفتقر إلى الصفة الإلزامية.

طرابلس – اختتم الحوار المهيكل الليبي أعماله بعد أشهر من المشاورات والنقاشات التي شارك فيها أكثر من 120 شخصية تمثل طيفاً واسعاً من القوى السياسية والاجتماعية والمناطق الليبية، حاملاً معه حزمة من التوصيات التي تهدف إلى معالجة الانسداد السياسي المستمر في البلاد. غير أن انتهاء الاجتماعات فتح باباً جديداً من التساؤلات بشأن قدرة هذا المسار على التحول إلى رافعة فعلية للحل السياسي، أو بقائه في إطار المبادرات الحوارية التي تنتج توافقات نظرية دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
وبنظرة متفائلة،  قالت الممثلة الخاصة للأمين العام رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه إن المرحلة المقبلة من العملية السياسية في ليبيا ستظل قائمة على "جهود يقودها الليبيون أنفسهم، وستُستخدم للدفع نحو تنفيذ التوصيات والإصلاحات الجوهرية التي بلورها الحوار المُهيكل، سواء من قبل المؤسسات القائمة حالياً أو في المرحلة التي تلي الانتخابات".

وأضافت تيتيه في الجلسة الختامية لـ"الحوار المهيكل" التي عقدت الأحد في طرابلس "على الرغم من اختلاف وجهات النظر والأولويات، أثبت الحوار المُهيكل أن الحوار البنّاء عبر الانقسامات السياسية والجغرافية والجيلية والمؤسساتية لا يزال ممكنًا إلى حد كبير"، بحسب بيان صادر عن البعثة الأممية.

ويرى مؤيدو الحوار أن أهميته تكمن في كونه وفر منصة جامعة لممثلين عن مختلف المناطق والتيارات، ما أتاح بناء أرضية مشتركة حول عدد من القضايا الخلافية التي أعاقت العملية السياسية خلال السنوات الماضية. كما أن إشراك شخصيات متنوعة بعيداً عن الاصطفافات التقليدية منح النقاشات قدراً من المرونة وساهم في بلورة مقترحات تستند إلى مبدأ التوافق الوطني بدلاً من منطق الغلبة السياسية.

ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن مخرجات الحوار يمكن أن تشكل أساساً لتقريب وجهات النظر بين المؤسسات المتنازعة، خاصة إذا حظيت بدعم محلي ودولي وتم توظيفها ضمن المسارات الأممية الرامية إلى توحيد المؤسسات والوصول إلى انتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة. كما أن حالة الإرهاق التي أصابت مختلف الأطراف الليبية نتيجة سنوات الانقسام والصراع قد تخلق بيئة أكثر استعداداً لقبول حلول وسط تفتح الباب أمام تسوية سياسية شاملة.

واستعرضت الجلسة الختامية المسارات والتوصيات النهائية الرامية إلى تهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية، وتوحيد مؤسسات الدولة وتعزيزها، والمساعدة في معالجة الأسباب الجذرية طويلة الأمد للنزاع.

وقدّم أعضاء المسارات الأربعة للحوار المُهيكل خلاصات أعمالهم إلى ما يقارب 200 مشارك ومشاركة علاوة على الضيوف من أعضاء السلك الدبلوماسي وفريق البعثة.

وقالت البعثة الأممية إن الحوار المُهيكل "شكّل تجربة غير مسبوقة من حيث الحجم والشمول، إذ ضم أكثر من 120 عضواً من مختلف مناطق ليبيا الشرقية والغربية والجنوبية، بما في ذلك ممثلون عن المكونات الثقافية والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، فيما شكّلت النساء 35 بالمئة من إجمالي الأعضاء".

وأشارت إلى إشراك "عدد أكبر من الليبيين والليبيات في العملية، جمعت البعثة آراء أكثر من 10,400 شخص حول القضايا المطروحة للنقاش من خلال الاستطلاعات وآليات المشاركة المختلفة".

لكن رغم ذلك، تبرز شكوك واسعة بشأن فرص نجاح الحوار في إحداث اختراق حقيقي للأزمة، إذ تفتقر توصياته إلى الصفة الإلزامية ولا تمتلك الجهات المشاركة فيه سلطة تنفيذية تفرض تطبيق ما تم الاتفاق عليه. ويستند المشككون إلى تجارب سابقة شهدت تنظيم مؤتمرات وحوارات متعددة أفضت إلى توصيات ومقترحات مشابهة، لكنها اصطدمت بحسابات القوى المتنافسة ومصالح مراكز النفوذ التي حالت دون ترجمتها إلى خطوات عملية.

كما أن الأزمة الليبية لا ترتبط فقط بغياب التوافق السياسي، بل تتداخل فيها عوامل تتعلق بالصراع على السلطة والموارد والانقسام المؤسسي والتجاذبات الإقليمية والدولية، وهي ملفات تتطلب إرادة سياسية من الأطراف الفاعلة أكثر من حاجتها إلى إنتاج وثائق أو توصيات جديدة. ولذلك فإن نجاح الحوار سيظل مرهوناً بمدى استعداد القوى الرئيسية لتبني مخرجاته وتحويلها إلى إجراءات ملموسة على الأرض.

وسلطت تيتيه الضوء على أبرز الدروس المستفادة من العملية، مشيرةً إلى أنها لمست رغبة قوية في التغيير، مقرونة بإصرار راسخ على أن يكون هذا التغيير بقيادة وملكية ليبية.

وأضافت "شهدنا محاولات جادة للتوفيق بين الأهداف الطموحة التي يسعى إليها الليبيون والواقع العملي الذي ينبغي التعامل معه، والبحث عن أرضية مشتركة تتسم بالواقعية مع الاستمرار في الدفع نحو التقدم. وقد أفضى ذلك في كثير من الأحيان إلى اعتماد تسلسل مرحلي ومقاربات تدريجية تهدف إلى تحقيق تقدم واقعي وقابل للتنفيذ".

ويشير مراقبون إلى أن القيمة الحقيقية للحوار المهيكل قد لا تكمن في مخرجاته المباشرة بقدر ما تتمثل في توفير مرجعية سياسية وأفكار توافقية يمكن الاستناد إليها في أي تسوية مستقبلية. فحتى إن لم يؤدِ إلى نتائج فورية، فإنه قد يساهم في تضييق هوة الخلافات وتحديد نقاط التوافق التي يمكن البناء عليها لاحقاً ضمن أي مسار سياسي أو أممي جديد.

وبالنظر إلى التجارب السابقة في المؤتمرات والحوارات السياسية، يقف الحوار المهيكل الليبي عند مفترق طرق بين أن يتحول إلى فرصة تساعد على كسر الجمود السياسي وتوفير قاعدة لحل توافقي، وبين أن ينضم إلى سلسلة المبادرات التي نجحت في جمع الفرقاء حول طاولة واحدة لكنها عجزت عن تحويل التفاهمات إلى قرارات ملزمة وإجراءات تنفيذية. ويبقى العامل الحاسم في تحديد مصيره مرتبطاً بمدى توافر الإرادة السياسية لدى القوى المؤثرة لترجمة ما تم التوصل إليه إلى خطوات عملية تنهي حالة الانقسام المستمرة في البلاد.