تمثيل مؤنث بقرار مذكر: الكوتا النسائية في قلب جدل الانتخابات العراقية
بغداد - قبل أسابيع من انطلاق الانتخابات التشريعية المقرّرة في 11 نوفمبر/تشرين الثاني، عاد الجدل حول "الكوتا النسائية" ليشعل النقاش في الأوساط السياسية والإعلامية العراقية، في مشهدٍ يعكس عمق الانقسام حول مستقبل مشاركة المرأة في الحياة العامة، ومدى واقعية الحديث عن تمكينها في نظام سياسي ما زال يدار بعقلية ذكورية راسخة.
ورغم أن العراق يُعد من أوائل الدول العربية التي أقرت حصة نسائية إلزامية في البرلمان بنسبة لا تقل عن 25 في المئة، إلا أن هذه النسبة، التي يفترض أن تمثّل خطوة نحو المساواة السياسية، أصبحت موضع انتقاد متزايد، بعدما تحوّلت في نظر كثيرين إلى أداة شكلية لتجميل المشهد الديمقراطي، لا لتغيير مضمونه.
من تمثيل شكلي إلى تهميش منظم
وفي انتخابات هذا العام، تخوض أكثر من 2248 مرشحة سباق المنافسة على 83 مقعدًا مخصصًا للنساء، لكنّ حضور هذا العدد الكبير لا يخفي حقيقة أعمق تتعلق بطبيعة المشاركة ذاتها، فأغلب المرشحات ينتمين إلى قوائم حزبية تدار في الغالب من رجال، ما يجعل القرار السياسي النسوي تابعًا لبنية ذكورية مغلقة، تتحكم في التمويل، وفي ترتيب القوائم، وفي تحديد المواقف داخل البرلمان.
وتقول الباحثة في الشؤون الاجتماعية سمر الجبوري إن "المرأة العراقية نجحت في الوصول إلى البرلمان، لكنها لم تصل بعد إلى السلطة"، مضيفة في حديثها لـ"المدى التحليلية" أن "الذكورية السياسية لا تُمارس فقط بالمنع أو الإقصاء، بل من خلال التحكم في مفاصل القرار حتى داخل الكوتا نفسها، بحيث تصبح النائبة ممثلة للكتلة لا لجمهورها، وصوتها محكوم بالولاء التنظيمي أكثر من التوجه الاجتماعي"
وأُدخل نظام الكوتا النسائية إلى الحياة السياسية العراقية مع دستور 2005، في سياق بناء توازنات ما بعد التغيير السياسي، بوصفه أداة لضمان حضور المرأة في المؤسسات التشريعية، لكن بعد نحو عقدين من تطبيقه، يرى محللون أن الكوتا لم تفلح في تحقيق غاياتها الأساسية، بل ساهمت من حيث لا يُقصد، في تكريس نموذج "المرأة التابعة"، إذ جرى توظيفها داخل البنية الحزبية لتوزيع المقاعد لا لتوسيع المشاركة.
وتوضح الأكاديمية نجلاء الحسني أن "فكرة الكوتا كانت في الأصل لضمان التنوّع والعدالة، لكنها في الحالة العراقية تحوّلت إلى حصة حزبية، تحددها التفاهمات والاصطفافات السياسية، وليس الكفاءة أو الاستقلالية"، مضيفة "الأحزاب الإسلامية والقومية والليبرالية على حد سواء تتعامل مع المرشحة كعنصر داعم لحضور الحزب، لا كمشروع سياسي مستقل".
ذكورية السياسة العراقية: إرث ما بعد الحرب
ولا يمكن فهم مأزق الكوتا النسائية دون العودة إلى بنية النظام السياسي العراقي بعد عام 2003، إذ أُعيد إنتاج النخبة السياسية في سياق قائم على المحاصصة والطائفية، حيث تغيب المرأة عن مراكز النفوذ الحقيقية، سواء في الحكومة أو داخل الأحزاب.
وعلى الرغم من أنّ النساء شغلن مناصب وزارية وبرلمانية، فإن تلك التجارب بقيت محكومة بسقف "التمثيل الرمزي"، لا "السلطة الفعلية".
ويرى الخبير في شؤون الحكم علي الربيعي أن "المرأة العراقية أُدخلت في السياسة كمشهد، لا كفاعل. والهيمنة الذكورية في الثقافة السياسية تحكم تفاصيل الترشح والتمويل وحتى طبيعة الخطاب الانتخابي"، مشيرا إلى أن "المجتمع السياسي الذكوري يملك قدرة فائقة على امتصاص الكوتا وتحويلها إلى أداة في صراعه الداخلي، لا إلى مساحة لتحرر المرأة".
ويمثل غياب الأحزاب النسوية المستقلة إحدى المعضلات البنيوية الكبرى في التجربة العراقية، إذ لا توجد حتى الآن كيانات نسوية مسجلة رسميًا تخوض الانتخابات ببرامج واضحة تتناول قضايا المساواة والتمكين. ويُعزى ذلك إلى ضعف التمويل، واحتكار الرجال للفضاء السياسي والإعلامي، إضافة إلى التقاليد الاجتماعية التي ما تزال تضع المشاركة النسوية في إطار رمزي أو ثانوي.
وفي هذا السياق، تقول الناشطة رنا التميمي إن "المرأة العراقية اليوم لا تبحث فقط عن مقعد في البرلمان، بل عن مساحة حرية داخل نظام يخشى استقلالها"، موضحة "نحن نحتاج إلى ما هو أبعد من الكوتا، نحتاج إلى ثورة في الوعي السياسي، لأن الهيمنة الذكورية ليست مجرد ممارسة، بل منظومة فكرية ترفض المساواة".
والجدل حول الكوتا النسائية ليس مجرد نقاش انتخابي، بل هو انعكاس لأزمة عميقة في بنية السلطة العراقية، التي ما تزال تدور في فلك المحاصصة والولاء الحزبي على حساب الكفاءة والتمثيل الفعلي.
وبينما تواصل الأحزاب تسويق نفسها كداعم لمشاركة المرأة، تبقى الحقيقة الأوضح أن معظم المقاعد النسائية تُحجز مسبقًا ضمن تفاهمات الذكور، وأن التمكين الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر استقلال القرار النسوي وبناء نخبة سياسية جديدة خارج عباءة الكتل.
وحتى الآن، يبدو أن الكوتا النسائية في العراق تواجه خطر التحوّل من أداة إصلاح إلى شاهد على فشل التجربة السياسية في التحرر من ثقافة "الهيمنة الذكورية"، التي ما زالت تتحكم في تفاصيل المشهد من خلف الكواليس، وتعيد إنتاج نفسها في كل دورة انتخابية جديدة.