تيريزا ماي تخوض آخر معاركها في مسار بريكست
بروكسل/لندن - تخوض رئيسة الوزراء البريطانية آخر معاركها في مسار بريكست بعد إقرار اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي وافق عليه قادة الاتحاد في قمة في العاصمة البلجيكية بروكسل.
ومعركة ماي في المرحلة القادمة هي إقناع المشرعين البريطانيين بالاتفاق الذي أقره الإتحاد الأوروبي بعد نحو عامين من الأخذ والرد والجدل في كل من بروكسل ولندن وبعد مواجهات صعبة خاضتها رئيسة الوزراء البريطانية في بلادها وفي بروكسل.
ودعت تيريزا ماي اليوم الأحد برلمان بلادها لإقرار الاتفاق، معتبرة أنه الأفضل بالنسبة لبريطانيا ومحذرة من المزيد من الانقسامات في حال رفضه البرلمان البريطاني.
وقالت إن الاتفاق هو أفضل اتفاق ممكن ولا يوجد بديل له على مائدة التفاوض، مضيفة في مؤتمر صحفي في بروكسل بعد موافقة قادة الاتحاد الأوروبي على الاتفاق أنها ستحاول الآن إقناع المشرعين البريطانيين بالاتفاق من خلال نشر تحليل عنه وإبلاغ المواطنين بأن رفض الاتفاق في البرلمان سيجعل بريطانيا تواجه المزيد من فقدان الاتجاه.
وقالت لمشاهديها في بريطانيا عبر المؤتمر الصحفي، إن الاتفاق هو "الاتفاق الوحيد الممكن" والذي يوفر لبريطانيا السيطرة على حدودها وميزانياتها في الوقت الذي تحتفظ فيه البلاد بتعاون وثيق مع الاتحاد الأوروبي.
استقالات من حكومة ماي وانتقادات عنيفة لخطة بريكست وشكوك في إتمام مسار الانفصال لم تثن رئيسة الحكومة البريطانية عن المضي قدما وبعزم حتى النهاية
وقالت "في أي تفاوض أنت لا تحصل على كل شيء تريده وأعتقد أن الشعب البريطاني يفهم ذلك"، مضيفة أن تصويت البرلمان يمكن أن يفتح الباب أمام "مستقبل أكثر إشراقا" أو يؤدي بالبلاد إلى المزيد من الانقسام. ولم تجب عن سؤال عما إذا كانت تعتزم الاستقالة إذا رفض البرلمان الاتفاق.
ويعتبر إبرام اتفاق انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي الأحد انتصارا شخصيا لرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بعد سنتين من المفاوضات المؤلمة وفي أجواء تمرّد داخل غالبيتها المحافظة.
وتعرضت ماي لانتقادات كثيرة منذ عدة أشهر عدة وخسرت عددا من وزرائها غير الراضين عن طريقتها في إدارة بريكست، لكنها بالنهاية تمكنت من الإمساك بالأمور. وبالتوصل إلى اتفاق يتيح خروج المملكة المتحدة من الاتحاد من دون كوارث ومن الاتفاق على إعلان يحدد الخطوط العريضة للعلاقة المستقبلية بين الطرفين.
وكانت ماي صرّحت في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني "أعتقد تماما وبكل ثقة، أن المسار الذي اتبعته هو الأفضل لبلادي" وذلك بعد استقالة أربعة وزراء من حكومتها ومحاولة الإطاحة بها من قبل مجموعة نواب محافظين مشككين في جدوى الاتحاد الأوروبي.
كما أكدت أنها ماضية حتى النهاية في مساعيها في مؤشر على صفة المثابرة التي تُعرف بها.
لكن ماي لم تحقق كامل ما تريده، إذ إنه يُفترض أن يُعرض الاتفاق في ديسمبر/كانون الأول على مجلس العموم حيث تحظى بغالبية ضعيفة ولا يخفي عدد من النواب رغبتهم في الإطاحة بها.
وطمأن وصول ماي إلى السلطة في يوليو/تموز 2016 في أعقاب الاستفتاء حول بريكست، البريطانيين. من سيكون أفضل من هذه السيدة ابنة القسّ التي لا تتمتع بكاريزما لكنها جديّة، لقيادة المملكة المتحدة التي خرجت منهكة ومنقسمة من حملة الاستفتاء خلال إحدى الفترات الأكثر حساسية في تاريخها؟.
وكانت ماي ساذجة عندما اعتقدت أن بلادها ستحصل على ما تريد: حق وصول البضائع إلى السوق الأوروبية الموحدة من دون التقيد بحرية تنقل المواطنين واحترام القوانين المشتركة وقرارات محكمة العدل الأوروبية.
وسرعان ما اصطدم هذا الطموح برفض قاطع من قبل الأوروبيين الذين شكلوا جبهة مشتركة ضد هذه "الانتقائية".
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة كوين ماري في لندن تيم بايل أن ماي "مثل الجميع في حزب المحافظين استخفّت بالصعوبات أمام تطبيق البريكست".
ويعتبر الباحث في كلية لندن للاقتصاد أيان بيغ أنها "بالغت في تقديرها للتماسك داخل حزبها".
ووجدت ماي، 62 عاما، نفسها محاصرة بين مطالب المحافظين المؤيدين لبريكست بشدة والمستعدين للانفصال من دون اتفاق مع بروكسل وأولئك الحريصين على المحافظة على علاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي.
تيريزا ماي مثل الجميع في حزب المحافظين استخفّت بالصعوبات أمام تطبيق بريكست وكانت ساذجة عندما اعتقدت أن بلادها ستحصل على ما كل ما تريد
وبات موقفها ضعيفا جدا عندما خسرت الغالبية المطلقة في الانتخابات التشريعية المبكرة في يونيو/حزيران 2017 والتي أجريت على أمل تعزيز قبضتها على البرلمان. وأرغمتها النكسة على التحالف مع الحزب الوحدوي الديمقراطي الإيرلندي الشمالي.
ورغم النكسات صمدت تيريزا ماي، فيما كان منتقدوها مترددين حتى الآن في توجيه الضربة القاضية لها عبر الدعوة إلى انتخابات جديدة يُتوقع أن ينتصر فيها حزب العمال بزعامة جيريمي كوربن.
وتشير المديرة العامة لمؤسسة روبرت شومان باسكال يوانين إلى أنه "ليس لديها منافس حقيقي ليأخذ مكانها اليوم"، إذ أن أحدا لا يريد "أن يحمل عبء بريكست".
وتيريزا ماي التي انتُخبت منذ العام 1997 في دائرة مايدنهيد الواقعة على بعد حوالي أربعين كيلومترا نحو غرب لندن، معروفة بجديتها في العمل. وقد شغلت خلال ستّ سنوات من العام 2010 حتى 2016، منصب وزيرة الداخلية.
ويشير تيم بايل إلى أنه "خارج هذا الملف (الداخلية) لم تكن تعرف الكثير" مضيفا "أنها ليست سريعة وبالتالي هي ليست مفاوضة مرنة ولا متحدثة كبيرة. وهذا الأمر لم يساعد".
واعتبرت كاتبة مقالات الرأي في صحيفة "ذي غارديان" سوزان مور مؤخرا أنه قبل أربعة أشهر من موعد البريكست، فإن تيريزا ماي "تجسّد" تماما المملكة المتحدة.
وأشاد أستاذ العلوم السياسية في جامعة سوراي سايمون اشروود، بـ"شعورها بتحمل المسؤولية أمام وضع غير مسبوق من حيث الصعوبات".
وبالنسبة لأيان بيغ، إذا غادرت المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي في 29 مارس/آذار 2019 مع اتفاق، "تكون ماي قد أنجزت ولايتها بشجاعة ومثابرة".