تَشدد إيراني يعيد خلط أوراق مفاوضات فيينا النووية

علي خامنئي صاحب القول الفصل في المفاوضات النووية يرفض مقترحات أميركية تتعلق بقيود على قوة إيران الدفاعية وحضورها الإقليمي متسائلا "لماذا نتخلى عنه؟ التقدم العلمي في المجال النووي يرتبط باحتياجاتنا المستقبلية وإذا تخلينا عنه فهل سيساعدنا أحد في المستقبل؟".
إيران ترفض القيود على قوتها الدفاعية وحضورها الإقليمي
روسيا ترفض أي تلميح إلى أنها عرقلت إحياء الاتفاق النووي الإيراني

طهران - بعد أشهر من المناورات السياسية والشدّ والجذب، شددت إيران موقفها في المحادثات النووية مع القوى العالمية اليوم الخميس فطالبت الولايات المتحدة بالتخلي عن "مقترحات غير مقبولة" في الوقت الذي أصبحت فيه احتمالات التوصل إلى اتفاق محل شك بسبب المطالب التي قدمتها روسيا في اللحظة الأخيرة.

ووصلت المحادثات المستمرة منذ 11 شهرا بهدف إحياء الاتفاق النووي المبرم عام 2015، والذي رفع العقوبات عن إيران مقابل قيود على برنامجها النووي، إلى مراحلها النهائية. لكنها تعثرت الأسبوع الماضي عندما طالبت موسكو بضمانات مكتوبة من الولايات المتحدة بأن العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب غزوها لأوكرانيا لن تؤثر على تجارتها مع إيران.

وعاد كبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري كني إلى فيينا أمس الأربعاء بعد أن أجرى مشاورات في طهران والتقى بمنسق المحادثات إنريكي مورا المسؤول في الاتحاد الأوروبي.

وكان مورا قد قطع اجتماعاته غير الرسمية يوم الاثنين قائلا إن الوقت قد حان لاتخاذ قرارات سياسية لإنهاء المفاوضات.

وشدد عدة مسؤولين إيرانيين موقف طهران في ما يبدو اليوم الخميس. وبعد شهور من التزام الصمت حيال المفاوضات نقلت وكالة تسنيم للأنباء عن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي قوله إن طهران لن تذعن للضغوط الرامية للحد من قوتها الدفاعية وحضورها الإقليمي وتقدمها على درب التكنولوجيا النووية.

ووضع خامنئي أعلى مرجعية سياسية ودينية في إيران خطوطا حمراء في المفاوضات النووية الجارية في فيينا والتي تقترب من نهايتها، في أحدث تطور قد يعيد خلط الأوراق أو يبطئ التوصل لاتفاق نهائي لإحياء اتفاقية العمل المشتركة (التسمية الرسمية للاتفاق النووي للعام 2015).

وقال خامنئي وهو صاحب أعلى سلطة سياسية في البلاد "اقتراحات تقليص قوتنا الدفاعية لاسترضاء العدو لا توصف سوى بأنها ساذجة وغير حكيمة... بمرور الزمن، تم رفض هذه المقترحات المعيبة ولو لم يحدث ذلك، لكانت إيران تواجه الآن تهديدات كبيرة".

والقوة الدفاعية التي يتحدث عنها خامنئي ويرفض التخلي عنها هي الواقع تلك التي يستخدمها وكلاؤها في المنطقة لشن اعتداءات على الدول الأخرى على غرار تلك التي ينفذها المتمردون الحوثيون ضد كل من السعودية والإمارات.

وحتى تلك الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان واليمن، تعتبرها إيران أحد خطوط الدفاع عنها ولو بالوكالة وهي أيضا اليد الطولى التي تضرب بها عند الحاجة وتحركها لتوسيع نفوذها الخارجي أو للضغط بها في أزمات مع الخصوم الغربيين على غرار تحريكها للميليشيات الشيعية في العراق ضد المصالح والقوات الأميركية والأجنبية وذلك في خضم مفاوضات فيينا غير المباشرة مع واشنطن لإحياء الاتفاق النووي.

وبالنسبة للحضور الإقليمي أو ما تسميه إيران عمقها الإستراتيجي وتطالب واشنطن بتقليصه، فإن المقصود إيرانيا بهما هو الفضاء الجيوسياسي الحيوي بالنسبة لطهران والفضاء الذي رسخت فيه وجودها من خلال وكلائها الذين يعملون تحت إشراف قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني أو من خلال تدخلات مباشرة تحت عناوين مختلفة على غرار تدخلاتها في العراق وسوريا ولبنان.

وما تسميه طهران القوة الدفاعية والعمق الاستراتيجي هما من بين النقاط الخلافية العالقة في المفاوضات النووية وهما أيضا محور الخلاف بين طهران ودول الخليج التي لا تخفي قلقها من الممارسات الإيرانية التي تستهدف بالأساس زعزعة الاستقرار بالمنطقة.

ووصلت الجمهورية الإسلامية التي تنظر للولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارهما العدوين الرئيسيين لها، الآن إلى المراحل الأخيرة من المحادثات مع القوى العالمية لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015 والذي يرفع العقوبات مقابل فرض قيود على برنامج إيران النووي.

لكن إسرائيل ودول الخليج العربية تخشى من أن يشجع إحياء الاتفاق، إيران على زيادة دعمها لحلفائها ووكلائها في صراعات الشرق الأوسط، بالسحب من أموال الاقتصاد بعد أن يتحرر من العقوبات.

وقال خامنئي "الحضور الإقليمي يمنحنا عمقا استراتيجيا ويزيد قوتنا"، مضيفا "لماذا نتخلى عنه؟ التقدم العلمي في المجال النووي يرتبط باحتياجاتنا المستقبلية وإذا تخلينا عنه، فهل سيساعدنا أحد في المستقبل؟".

وتدخل طهران في صراعات بالوكالة مع السعودية المدعومة من الغرب في جميع أنحاء المنطقة، من اليمن إلى سوريا والعراق. كما تدعم الرئيس السوري بشار الأسد في الحرب الأهلية في بلاده والفصائل الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان.

وقال أربعة دبلوماسيين غربيين إنه تم الانتهاء من الخطوط العريضة للاتفاق وإنه لم يتبق سوى تعديلات طفيفة وأكدوا على أن روسيا أصبحت الآن العقبة الرئيسية.

ظروف جديدة

وظل المسؤولون الإيرانيون حذرين في الاستجابة لمطالب روسيا لكنهم أشاروا اليوم الخميس إلى أنه لا تزال هناك قضايا جادة عالقة في المفاوضات النووية.

ونقلت وكالة تسنيم للأنباء عن مسؤول إيراني قوله إنه لا تزال هناك مسائل مهمة مرتبطة بالضمانات والعقوبات لم يتم حلها.

وقالت إيران أيضا إنها تريد ضمانات بعدم تخلي أي رئيس أميركي في المستقبل مرة أخرى عن الاتفاق النووي.

وفي تأكيد للمخاوف الإيرانية، قال نائب الرئيس الأميركي السابق مايك بنس أمس الأربعاء إنه إذا وافقت واشنطن على اتفاق جديد وتولى الجمهوريون السلطة مرة أخرى فإنهم "سيمزقون أي اتفاق نووي إيراني جديد في اليوم الأول".

وقال مسؤول إيراني إنه لا يزال هناك قضيتين أو ثلاث قضايا صعبة يتعين حلها وإن طهران تطالب الآن أيضا بتغيير تسلسل تنفيذ الاتفاق، مضيفا أن إيران تريد إصدار إعفاءات نفطية أولا ثم تتحقق من الخطوة من خلال تصدير النفط والحصول على الدولارات من خلال النظام المصرفي.

وكان المفاوضون الأوروبيون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا قد غادروا مقر المحادثات مؤقتا لأنهم يعتقدون أنهم بلغوا أقصى نقطة يمكن أن يصلوا إليها في المفاوضات وأن الأمر متروك الآن للولايات المتحدة وإيران للاتفاق على القضايا العالقة.

ورفض مبعوث روسيا للمحادثات ميخائيل أوليانوف مساء أمس الأربعاء أي تلميح إلى أن موسكو عرقلت الاتفاق وقال إن نص الاتفاق ليس نهائيا لأنه كانت هناك مطالب جديدة من قبل أطراف أخرى.