جدارية بغداد تواكب حلم أسود الرافدين المونديالي

بفرشاة بسيطة وألوان محلية، صنع فنان عراقي لوحة وطنية ضخمة تحاكي طموح الجماهير في التأهل لكأس العالم.

بغداد ـ مع ترقب العراقيين بشغف لمشاركة 'أسود الرافدين' في المونديال بعد غياب طويل دام 40 عاما، اختار الرسام إبراهيم كريم أن ينقل حمى هذا الحدث التاريخي من المستطيل الأخضر إلى جدران العاصمة بغداد.

في قلب مدينة الصدر شرق بغداد، اختار كريم (35 عاما) أن يقود بفرشاته وأصباغه حراكا جماهيريا عبر فكرة مستوحاة من ثقافة الملاعب اللاتينية في البرازيل، حيث تحول فن الجرافيتي والجداريات هناك إلى أداة دعم معنوي دائم للمنتخبات الوطنية.

تلك الفكرة دفعت الثلاثيني العراقي رفقة مجموعة من الشباب المتطوعين إلى تجسيد وجوه نجوم منتخب بلاده على جدار ضخم كرسالة وفاء ومؤازرة.

ويأتي هذا العمل الفني بالتزامن مع استعدادات المنتخب لخوض غمار المجموعة التاسعة في المحفل العالمي.

ويستهل أسود الرافدين مشوارهم بمواجهة النرويج في 16 يونيو/ حزيران الجاري، تليها مواجهتا فرنسا والسنغال في 22 و26 من الشهر ذاته، لتعلن هذه الجدارية العملاقة أن عودة العراق إلى المونديال لا تخاض بالأقدام فقط، بل تزينها ريشة الفن والحضارة.

الفنان إبراهيم كريم، وهو رسام جداريات وديكورات، يروي قصة انطلاق فكرته قائلا، "رأينا كيف تقوم الجماهير في البرازيل والدول اللاتينية برسم جداريات ضخمة لدعم منتخباتهم، فأردنا نقل هذه التجربة إلى العراق".

واستدرك، "نحن بلد الحضارة والفنون، ونحن من علم البشرية الرسم والنحت، ومنتخبنا يستحق هذا الدعم في بطولة صعبة ككأس العالم".

وتبدأ حكاية هذا الشغف ميدانيا خلف كواليس العمل؛ حيث ينحني إبراهيم بجانب صندوق خشبي كبير مليء بعبوات الطلاء، يفرز الألوان بعناية فائقة ويمزج الدهان الأصفر بتركيز عالٍ.

ويقف الفنان الشاب مستعداً لإطلاق ضربة البداية في يوم عمل جديد، يهدف من خلاله إلى إعادة صياغة المشهد البصري للشارع البغدادي ومواكبة الحلم المونديالي.

ولم ينتظر إبراهيم وأصدقاؤه الستة تمويلا رسميا أو رعاية مؤسسية، بل بادروا إلى جمع المبالغ المالية من قوتهم اليومي لشراء المواد والأصباغ اللازمة.

وفي خطوتهم الأولى نحو الجدار، تحرك الفنان برفقة زملائه في شوارع مدينة الصدر وهم يحملون دلاء الطلاء.

وجاءت الخطوة بالتزامن مع ظهور الملامح الأولى للجدارية، حيث رُسمت في البداية وجوه اللاعبين بالخطوط العريضة باللون البني فوق خلفية تأسيسية تحتضن علم العراق.

أما جدول العمل، فيعكس حجم التضحية؛ إذ يقول إبراهيم، "نأتي إلى هنا في العصر، بعد الانتهاء من أعمالنا اليومية وكسب رزقنا".

ويتابع، "نبدأ العمل بعد أن تكسر الشمس حرارتها، ونستمر حتى منتصف الليل، بمعدل 4 إلى 5 ساعات يومياً، وهذا هو يومنا السابع والأخير في إنجاز الجدارية".

وتتجلى لقطات التفاني والدقة في العمل حين يُرى الفنان معلقا على السقالات الحديدية المرتفعة، وهو يلون التفاصيل الدقيقة لوجوه نجوم المنتخب تحت وهج الإضاءة الليلية.

فتارة يضع الطلاء الأحمر الزاهي لخلفية علم البلاد، وتارة أخرى يحدد بدقة متناهية شعر ولحية اللاعبين باللون الأسود مستخدماً فراشٍ صغيرة ودقيقة.

وانطلقت الفكرة في البداية بطلب رسم ربع المساحة المتاحة فقط، إلا أن التفاعل الجماهيري الإيجابي في مدينة الصدر -التي يصفها إبراهيم بأنها "مدينة الرياضيين والفنانين والطاقات" غيّر المخطط بالكامل ليغطي الجدار بأكمله.

وحظي الفريق بدعم معنوي ولوجستي كبير من المارة وسكان المنطقة الذين قدموا المساعدات الغذائية والمادية.

ولم يقتصر الدعم على الجانب الشعبي، إذ يضيف إبراهيم، أن “الجدارية تقع بجانب مركز الشرطة”.

وأردف، "للأمانة، قدم لنا رجال الشرطة دعماً رائعاً منذ اليوم الأول؛ بدءاً من توفير الكهرباء والمياه، وصولاً إلى تنظيم حركة السير والتنظيم العام، وتوفير الدعم المعنوي الكامل".

وتتكشف الجدارية في صيغتها النهائية عبر لقطات أوسع تبرز عملاً فنياً ممتداً على طول الشارع، يضم وجوه أبرز لاعبي المنتخب العراقي بقمصانهم البيضاء.

وبين الوجوه، يبرز حارس المرمى بقميصه الأصفر وهو يشير بإصبع السبابة نحو السماء في لقطة حماسية، بينما تتوسط الجدارية عبارة “الله أكبر” الممتدة مع علم البلاد الذي يلف وجوه النجوم في مشهد بصري مهيب.

ولا يرى إبراهيم كريم هذا العمل كخطوة عابرة، بل بداية لمشروع أكبر يهدف إلى تلوين جدران العاصمة بغداد وبقية المحافظات العراقية برسائل إنسانية ورياضية، وتكريم الطاقات الشبابية والمبدعين من شعراء ومصممين.

ومع اقتراب صافرة البداية لأسود الرافدين في المونديال، تقف هذه الجدارية كشاهد حي على أن كرة القدم في العراق ليست مجرد لعبة، بل مساحة للأمل، والتعبير الفني، والالتفاف الوطني وراء راية البلاد.