جولة تفاوض جديدة بين لبنان وإسرائيل تحت النار
واشنطن - تتجه الأنظار إلى العاصمة الأميركية مع انطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية اليوم الخميس، في محاولة جديدة لاختبار فرص تثبيت الهدنة الهشة وفتح الباب أمام مسار سياسي لوقف دائم للحرب.
وقال مسؤول لبناني كبير إن بيروت ستطالب إسرائيل بوقف إطلاق النار في المحادثات المباشرة بواشنطن، بينما أكد مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن اجتماعا يضم مبعوثي البلدين، إلى جانب مسؤولين أميركيين، انطلق قرابة الساعة التاسعة صباحا بتوقيت شرق الولايات المتحدة (1300 بتوقيت غرينتش).
وتشكل المحادثات بين مبعوثين من لبنان وإسرائيل، المتوقع أن تستمر غدا الجمعة، ثالث لقاء بين الجانبين منذ تجدد القتال والاشتباكات بين حزب الله وإسرائيل في الثاني من مارس/آذار. وتشارك بيروت في الاجتماع رغم اعتراضات شديدة من الجماعة.
وقال متحدث باسم الحكومة الإسرائيلية إن المحادثات تجري بهدف نزع سلاح حزب الله والتوصل إلى اتفاق سلام. ونشبت الحرب بين الحزب وإسرائيل بالتوازي مع الحرب الأميركية على إيران، قبل أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف إطلاق النار في 16 أبريل/نيسان.
وتأتي هذه الجولة في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزامن مع تصاعد الغارات الإسرائيلية على مناطق لبنانية عدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى جدية تل أبيب في الدفع نحو تهدئة حقيقية، أو ما إذا كانت تستخدم المفاوضات كغطاء سياسي لمواصلة الضغط العسكري وتحسين شروطها التفاوضية.
ويرى مراقبون أن مجرد استمرار اللقاءات بين الجانبين، رغم الحرب المفتوحة والخسائر البشرية الكبيرة، يعكس وجود رغبة دولية، خصوصا من جانب واشنطن، لمنع انزلاق المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة قد تمتد إلى ساحات أخرى في الشرق الأوسط.
لكن هذه الآمال تصطدم بواقع ميداني شديد التعقيد، حيث تتواصل الضربات الإسرائيلية بوتيرة مرتفعة، في وقت تؤكد فيه السلطات اللبنانية أن تل أبيب تنتهك الهدنة بشكل شبه يومي.
وقُتل الخميس شخصان جراء غارات جوية وقصف مدفعي وإنذارات إسرائيلية بإخلاء بلدات في جنوب وشرق لبنان، ما تسبب في موجة نزوح جديدة، بينما شهد الأربعاء مقتل 33 شخصا وإصابة 31 آخرين نتيجة 79 هجوما إسرائيليا، وفق معطيات لبنانية.
ويؤشر هذا التصعيد، بحسب محللين، إلى أن إسرائيل تسعى إلى استثمار الضغط العسكري لتحقيق مكاسب ميدانية وسياسية قبل الوصول إلى أي اتفاق نهائي، خاصة في ما يتعلق بالوضع الأمني على الحدود الجنوبية، ودور حزب الله، وترتيبات ما بعد الحرب.
في المقابل، يبدو لبنان حريصا على الاستفادة من الزخم الدبلوماسي الحالي لوقف الحرب وتخفيف الكلفة الإنسانية والاقتصادية المتفاقمة، خصوصا مع استمرار النزوح الواسع وتدمير البنية التحتية في مناطق الجنوب.
ومنذ الثاني من مارس/آذار الماضي، خلّف العدوان الإسرائيلي الموسع على لبنان نحو 2896 قتيلا و8824 جريحا، إضافة إلى أكثر من مليون نازح، بحسب بيانات رسمية، ما فاقم الضغوط على الدولة اللبنانية التي تعاني أساسا من أزمة اقتصادية ومالية خانقة.
ويعتقد متابعون أن واشنطن تدفع بقوة نحو إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، ليس فقط بهدف احتواء المواجهة اللبنانية الإسرائيلية، وإنما أيضا لتأمين استقرار نسبي يسمح بإعادة ترتيب المشهد الإقليمي في ظل التحولات الجارية في المنطقة.
كما يعكس الحديث عن "مفاوضات سلام" للمرة الأولى منذ سنوات طويلة تحولا لافتا في طبيعة الاتصالات بين الطرفين، حتى وإن كانت لا تزال غير مباشرة بالكامل وتدور تحت سقف أمني أكثر منه سياسيا.
مع ذلك، تبقى فرص الوصول إلى اتفاق شامل مرتبطة بمدى قدرة الوسطاء على فرض تهدئة ميدانية حقيقية، إذ ينذر استمرار الغارات والاغتيالات والتوغلات العسكرية بتقويض أي تقدم سياسي، ويعيد الأمور إلى نقطة الصفر.
ويضاف إلى ذلك ملف الاحتلال الإسرائيلي لمناطق في جنوب لبنان، بعضها قائم منذ عقود، إلى جانب استمرار النزاع الحدودي وتعقيدات التوازنات الداخلية اللبنانية، وهي ملفات تجعل أي تسوية محتملة شديدة الحساسية والتعقيد.
وبين التصعيد العسكري ومساعي التهدئة، تبدو الجولة الثالثة من المفاوضات اختبارا حاسما لإمكانية الانتقال من هدنة هشة ومؤقتة إلى مسار سياسي أكثر استقرارا، في وقت لا تزال فيه المنطقة بأسرها تعيش على وقع احتمالات الانفجار أو التسوية.