حزب السلطة في الجزائر يواجه أزمة داخلية بين إرث الثورة ومتطلبات الحاضر
الجزائر - أعادت التصريحات الأخيرة للأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني (الأفالان) ورئيس الحكومة الأسبق عبدالعزيز بلخادم النقاش حول مصير الحزب الذي كان يوما العمود الفقري للنظام السياسي الجزائري، بعد أن عبّر عن "عدم رضاه" عن الوضع الحالي الذي يعيشه "الافالان"، داعيا إلى إعادته "لمناضليه الحقيقيين الذين ظلوا أوفياء لخطه الوطني الأصيل ومبادئ ثورة نوفمبر".
في حوار مطوّل ضمن بودكاست للتاريخ على قناة "الخبر" الإلكترونية المحلية، قال بلخادم إن "جبهة التحرير الوطني حزب رائد يمتلك اليوم أغلبية في المجلس الشعبي الوطني، لكن وضعه لا يعكس هذه المكانة"، مشيراً إلى أن الأزمة لا تكمن في الحزب كتنظيم بل في "تصرفات بعض الأشخاص من داخله وخارجه”. وأضاف أن الحزب “ليس ملكاً لكل الجزائريين كما يُشاع، بل لمناضليه الشرفاء الذين لم يجعلوا منه وسيلة لتحقيق مصالح شخصية أو مطية للترقي السياسي".
هذه العبارات، وإن بدت عتاباً داخلياً، فإنها تعبّر في جوهرها عن إقرار صريح بحالة الانقسام والتشرذم التي بات يعيشها الحزب خلال السنوات الأخيرة، وهي حالة لا تنفصل عن التحولات التي شهدها المشهد السياسي الجزائري برمّته، حيث تراجعت الأحزاب الكبرى أمام تصاعد عزوف شعبي عن السياسة وتآكل الثقة في الأطر الحزبية.
يُنظر إلى جبهة التحرير الوطني على أنها أقدم وأقوى تشكيل سياسي في البلاد، فهي التي قادت ثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، وتحولت بعد الاستقلال عام 1962 إلى الحزب الحاكم الذي احتكر الحياة السياسية لعقود، وجسّد نموذج “الحزب الواحد” الذي تماهى مع مؤسسات الدولة. غير أن هذا الإرث التاريخي تحوّل مع مرور الوقت إلى عبء ثقيل، إذ ورث الحزب ثقافة الهيمنة والولاءات الشخصية، ما أدى إلى تراجع دوره كمؤطر سياسي وتحوله إلى أداة للصراع على النفوذ والمناصب.
في عهد التعددية السياسية بعد دستور 1989، حاول الحزب التكيّف مع المنافسة الجديدة، لكنه ظلّ يحمل في داخله ملامح الحزب الإداري المقرّب من السلطة، ما جعله عرضة للانقسامات المتكررة. ومنذ بداية الألفية الجديدة، ومع صعود جيل جديد من القيادات البيروقراطية، تعمقت الفجوة بين القاعدة والمناضلين من جهة، والقيادة التي تمارس السلطة باسم الحزب من جهة أخرى.
وقد جاءت تصريحات بلخادم اليوم لتعيد إلى الأذهان تلك المرحلة التي حاول فيها، خلال فترة قيادته بين 2005 و2013، “إعادة الانضباط” إلى الحزب وإبعاده عن التوظيف الشخصي، لكنها انتهت بإبعاده هو نفسه من المشهد، في ظل صراعات داخلية لم تهدأ منذ ذلك الحين.
وفي معرض تفسيره لأسباب الأزمة، أشار بلخادم إلى “جهات خارجية لا تشعر بالراحة من وجود جبهة التحرير الوطني قوية، لأنها تذكّرهم بثورة التحرير والهوية الوطنية”. لكن مراقبين يرون أن الأزمة أعمق من مجرد “تآمر خارجي”، إذ ترتبط بالبنية الداخلية للنظام السياسي وبطبيعة الثقافة التي كرّسها الحزب نفسه حين اختزل الوطنية في الولاء للسلطة، لا في المشروع السياسي.
فالحزب الذي كان يوماً مدرسة سياسية، أصبح في نظر الكثيرين رمزاً للجمود السياسي وواجهة لتوازنات النظام أكثر من كونه فاعلاً حقيقياً في صنع القرار أو تجديد الحياة الحزبية.
ويشير محللون إلى أن أزمة جبهة التحرير الوطني ليست استثناءً، بل تمثل مرآة لحالة عامة يعيشها المشهد الحزبي الجزائري، إذ تعاني حتى أحزاب المعارضة من ضعف تنظيمي وانقسامات داخلية، وفشل في بلورة مشروع بديل أو خطاب قادر على استقطاب الشارع. فالمشهد السياسي اليوم أقرب إلى خريطة متشظية من التشكيلات التي تفتقر إلى الرؤية الجامعة والقدرة على التأثير في السياسات العامة.
ورغم أن جبهة التحرير الوطني ما زالت تمتلك أكبر كتلة برلمانية، إلا أن هذه القوة العددية لم تعد تعبّر عن وزن سياسي فعلي. فالتراجع في الشعبية والفاعلية الميدانية جعل الحزب أقرب إلى كيان إداري يدور في فلك السلطة منه إلى حزب سياسي يقود المبادرة أو يستقطب الجماهير.
كما أن الأجيال الجديدة من الجزائريين تنظر إلى الحزب باعتباره رمزاً لماضٍ سياسي هيمنت عليه البيروقراطية والفساد، أكثر من كونه امتداداً لروح الثورة والتحرر الوطني.
في المحصلة، فإن تصريحات عبدالعزيز بلخادم تعيد تسليط الضوء على أزمة هوية داخل الحزب وأزمة ثقة في المشهد السياسي العام، حيث تتقاطع عوامل التاريخ والسياسة والمصالح الشخصية في إنتاج مشهد يفتقد الدينامية والتجديد.
ويبدو أن التحدي الأكبر أمام جبهة التحرير الوطني اليوم لا يكمن في استعادة مقاعد السلطة، بل في استعادة معناها السياسي والتاريخي، إذا أرادت أن تبقى رقماً فاعلاً في معادلة جزائر ما بعد التحولات.