حسام السيلاوي يطرب جمهور الحمامات من واقع تجربته
الحمامات (تونس) - احتشد جمهور كبير من اليافعين والشباب أغلبهم لم يتجاوز الثامنة عشرة من العمر على مدارج مسرح الحمامات لحضور أولى سهرات الفنان الأردني الفلسطيني الأصل حسام السيلاوي بتونس، وذلك في سهرة الخميس ضمن فعاليات الدورة 59 من مهرجان الحمامات الدولي.
وبدأ الجمهور يتوافد على المسرح سويعات قبل انطلاق العرض، وهو ما ترجم الشعبية الواسعة التي يحظى بها السيلاوي لدى الأجيال الصاعدة، إذ بمجرد اعتلائه الركح، دوت الهتافات وتعالت الصيحات في مشهد تفاعلي عكس مدى الترابط العاطفي بين الفنان وجمهوره الشاب.
هذا الفنان الشاب الذي برز بقوة خلال السنوات الأخيرة، شق طريقه الفني عبر الفضاء الرقمي مستفيدا من منصات مثل يوتيوب ليحقق انتشارا واسعا دون الاعتماد على الوسائط التقليدية. وقد أهله هذا الحضور الرقمي ليصبح من أبرز الوجوه الفنية في العالم العربي خلال فترة زمنية وجيزة بصدق تجربته الإنسانية.
وفي عرضه على ركح مسرح الحمامات أمام شبابيك مغلقة بعد أن نفدت التذاكر فور طرحها، أدى السيلاوي أشهر أغانيه مثل "جميلة" و"الفي" و"لا تنسيني" و"لما تكوني". وتفاعل الجمهور بشكل كبير مع أغنيته "عشانك" الحائزة على جائزة أفضل أغنية عربية في حفل جوائز الموسيقى العربية لعام 2023، حيث ترددت كلماتها بصوت واحد من الجمهور الذي بدا يحفظها عن ظهر قلب.
وما يميز السيلاوي هو جمعه بين الكتابة والتلحين حيث تتسم أغانيه بلغة بسيطة تلامس الوجدان وتتقاطع مع أنماط موسيقية عصرية دون أن تفقد بعدها الإنساني أو العاطفي. وقد تضمن عرضه أيضا مجموعة من الأغاني الأخرى التي لقيت رواجا واسعا على غرار "غريب بلاد" و"شايف طيفك" و"الصبر مفتاح" و"ياما" و"عطشان" التي قدمت صورة صادقة لشاب عربي يتحدث بلغة الجيل ويعبر عن واقعه دون تكلف.
وعبر السيلاوي في ندوة صحفية إثر العرض عن سعادته الغامرة بتفاعل الجمهور التونسي، واصفا تجربته بأنها متميزة على المستويين الفني والشخصي، قائلا "شعرت هنا وكأنني بين أهلي لقد استقبلني الناس بحرارة لن أنساها وأتطلع للعودة مجددا إلى تونس".
وعن تفاصيل العرض، كشف الفنان أنه قدم 16 أغنية خلال السهرة، مضيفا أن أكثر ما أدهشه هو طلب الجمهور لأغان قديمة لم تكن ضمن البرنامج، واصفا التونسيين بأنهم جمهور متفاعل ومحب للموسيقى ويحفظ الكلمات بدقة لافتة.
وتحدث السيلاوي كذلك عن بداياته الفنية في العاصمة الأردنية عمان، مؤكدا أن رحلته نحو النجاح لم تكن خالية من التحديات بل كانت مليئة بالمحطات الصعبة، موضحا أنه يحرص دائما على أن تعكس أعماله الفنية مشاعره وتجربته الذاتية، مشددا على أهمية الصدق في الكتابة والتلحين.
واشتهر السيلاوي بالعديد من الأغاني التي نشرها على قناته بيوتيوب من بينها "قدام الكل" و"لما تكوني" و"علمني أعيش" و"لسا معاكي" و"العيون السود" و"لا تنسيني" و"ملاكي"، وخاصة أغنيته التي لقيت رواجا كبيرا وأعاد غناءها عدد من الفنانين الشبان بعده والتي تحمل عنوان "عشانك" والتي تجاوزت عدد مشاهداتها منذ نشرها سنة 2021 على منصة يوتيوب 159 مليون مشاهدة، وقد أعاد الفنان الشاب نادر قيراط غناء هذه الأغنية (cover)، كما تمّ اختيارها أفضل أغنية عربية في جوائز الموسيقى العربية سنة 2023.
وحظي سيلاوي بعدد من الجوائز والتكريمات ومنها بالخصوص جائزة أفضل فنان صاعد في "جوي أووردز" وهو ما عزز مكانته كواحد من أبرز فناني جيله في الوطن العربي.
وتتجاوز قصة حسام سيلاوي الفن لتلامس جوهر التجربة الإنسانية، فقد نشأ في ظروف أسرية معقدة وكان لفقدان والدته مبكرا أثر بالغ في تكوينه، وهذه الفجوة العاطفية تحولت فيما بعد إلى مصدر إلهام لأغانيه، حيث حاول لمس مشاعر الغياب دون أن يطلب تعاطفا. وكتب أغنية مؤثرة عن والدته تحمل عنوان "ليش تروحي" لكنه سحبها لاحقا خوفا من أن يُنظر إليه كضحية، وهو الذي لا يسعى لكسب الشفقة وإنما يحاول من خلال فنه تبليغ ما يخالجه من مشاعر وأحاسيس والتعبير عن نفسه، فالفن بالنسبة إليه أداة مقاومة نفسية.
ويطمح سيلاوي من خلال مزج اللغتين العربية والإنكليزية في أعماله، للوصول إلى جمهور عالمي دون أن يفقد روحه العربية الأصيلة، فهو يريد أن يعبر عن الإنسان في بعده الكوني في معزل عن الهوية الضيقة، وأن يكون فنه جسرا يربط الناس لا جدارا يفصل بينهم، لأنه كما يقول "أريد أن أُذكر لا أن أُستهلك".
وتتواصل نبضات الموسيقى في الحمامات بموعد جديد، الجمعة، احتفالا بالذكرى الثامنة والستين لإعلان الجمهورية في تونس، حيث يقدم الموسيقار محمد علي كمون عرضا بعنوان "24 عطرا - نجوم سيمفونية"، يتضمن مقطوعات موسيقية مستوحاة من التراث المتنوع للولايات (المحافظات) الأربع والعشرين التونسية في لوحة فنية تحتفي بالثراء الثقافي والموسيقي الوطني.
وانطلقت فعاليات الدورة الـ59 لمهرجان الحمامات الدولي تحت شعار "نبض متواصل" في الحادي عشر من يوليو/تموز الجاري وتتواصل إلى غاية الثالث عشر من أغسطس/آب المقبل، بمشاركة 36 عرضا في 33 سهرة مبرمجة، من بينها 18 عرضا تونسيا.
وقال مدير المهرجان نجيب الكسراوي في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء إن العروض ستتوزع إلى 5 عروض مسرحية، وعرض كوريغرافي، و12 سهرة موسيقية منها سهرات سيحييها لطفي بوشناق، صابر الرباعي، غازي العيادي، نبيهة كراولي، وبلطي.
وأبرز أن البرمجة تقوم على "سردية فنية متكاملة" تنطلق بعمل "رقوج العرض" وهي تجربة مسرحية موسيقية كوريغرافية غنائية للأخوين عبدالحميد وحمزة بوشناق، وتُختتم بحفل تحية للأغنية التونسية الأصيلة يحتفي بالجذور ويكرس التوازن بين الحداثة والوفاء للهوية التونسية.
والمهرجان الدولي بالحمامات هو تظاهر ثقافية وفنية تقام في المركز الثقافي الدولي بالحمامات خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب من كل سنة. انعقدت الدورة الأولى منه في العام 1966. ويعتبر ثاني أهم مهرجان ثقافي تونسي بعد مهرجان قرطاج الدولي.