حين يلتقي السرد بسحر العُلا
العلا (السعودية) - في واحدةٍ من ليالي العُلا الموشّاة بالتاريخ والدهشة، احتضن مجلس وادي القرى الثقافي أمسيةً بعنوان "الرواية التاريخية بين التخييل والواقع"، نظّمها صالون بوح الثقافي بالتعاون مع مقهى أرجوحة شرقية، وبإشراف الدكتور سالم البلوي. جاءت الأمسية في موقعٍ آسرٍ عند التقاء وادي الجزل بوادي القرى، حيث تتجاور النخيل والجبال، وتتكلم الجغرافيا بلسان الذاكرة.
أَلا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةً
بِوادي القُرى إِنّي إِذَن لَسَعيدُ
وتناول الروائي الأستاذ أحمد السماري ماهية الرواية التاريخية، فناقش الفرق بين التاريخ بوصفه علمًا توثيقيًا يعتمد على الوقائع والمصادر، والرواية بوصفها فنًا تخييليًا يعيد صياغة الحدث التاريخي في قالبٍ إنسانيٍّ نابضٍ بالحياة، متوقفًا عند حدود الأمانة التاريخية بين الالتزام والحرية الإبداعية، ودور الخيال في ملء الفراغات التي يصمت عنها المؤرخ.
كما قدّم قراءةً في رواية "الصريم" بوصفها نموذجًا للرواية التاريخية المحلية، وخصّص جزءًا من النقاش لرواية "فيلق الإبل" كنموذجٍ للرواية التاريخية ذات البعد الدولي، مستعرضًا الحدث التاريخي العابر للحدود، وانتقال السرد من التاريخ المحلي إلى التاريخ العالمي المشترك، ولقاء الشرق بالغرب في سياقٍ تاريخيٍّ غير مألوف، وصولًا إلى دور الرواية في إعادة كتابة أحداثٍ مهمّشة في الذاكرة العالمية، وتقديم الأدب بوصفه جسرًا إنسانيًا تتجاوز لغته الحدود الجغرافية والثقافية.
وشهدت الأمسية نقاشًا ثريًا حول إشكاليات الرواية التاريخية، وحدود العلاقة بين الوثيقة والخيال، وكيف يتحوّل الحدث من مادةٍ أرشيفيةٍ جامدة إلى تجربةٍ إنسانيةٍ نابضة. وأدار اللقاء الشاعر والأديب الدكتور سلطان القنيدي بحسٍّ ثقافيٍّ رفيع، فكان الحوار حيًّا، والأسئلة عميقة، والحضور نخبويًا جمع بين المعرفة والذائقة النقدية.
العُلا ليست مسرحًا للأحداث التاريخية فحسب، إنما شريكٌ فاعلٌ في السرد. فمنذ أن عُرفت عاصمتها القديمة باسم "ديدان"، وهي تمثّل عقدةً تاريخيةً على أحد أهم طرق التجارة القديمة، طريق البخور، حيث عبرت القوافل، وتقاطعت الحضارات، وتكوّنت طبقاتٌ متراكمةٌ من الذاكرة. وفي شمالها تقف "مدينة الحجر" شاهدةً على عبقرية الإنسان في تطويع الصخر، وبناء المدن، وصياغة الجمال منذ أكثر من ألفي عام.
ثقافيًا، تبدو العُلا فضاءً مفتوحًا للإبداع، وموطنًا للكرم العربي الأصيل؛ فِقِرى الضيف هنا عادة، والحفاوة تقليدٌ راسخ. أما جبالها، بتشكيلاتها الفريدة التي تطوّق الوادي، فقد منحت المكان ثراءً بصريًا استثنائيًا، جعله من أغنى مناطق المملكة بالفن الصخري والنقوش، حيث يتحوّل الحجر إلى نصّ، والصخر إلى قصيدة.
وفي جولةٍ ليليةٍ في البلدة القديمة، بدت العُلا ككتابٍ مفتوح؛ كل زقاقٍ صفحة، وكل جدارٍ سطر. حتى الإقامة العابرة تحوّلت إلى حكايةٍ إنسانية، حين تجلّى كرم أهل المكان في أدق التفاصيل.
ستبقى العُلا، بتاريخها وثقافتها وشعرها، علامةً فارقةً في الذاكرة؛ مكانًا لا يُزار مرةً واحدة، بل يُعاد اكتشافه في كل زيارة، حيث لا تنتهي الحكاية.


