خرائط القوة في عيني امرأتين بين رولا حمادة وميريل ستريب
تستولي روان وهي الممثلة رولا حمادة على المجال البصري منذ اللحظة الأولى التي يراها فيها المشاهد في مسلسل ممكن. إنها من تلك الشخصيات التي تحمل الكثير من الإشارات البصرية والاجتماعية. فالشعر النحاسي الصارخ، والنظارات الكبيرة، والملابس المصقولة بعناية، ليست عناصر تجميلية عابرة، بل أدوات درامية تؤدي وظيفة محددة، لأن وجودها نفسه يخلق مركزاً جديداً للجاذبية داخل المشهد. كما أن ذكاء أداء رولا حمادة لا يكمن في تقديم امرأة قوية فحسب، بل في جعل القوة نفسها موضوعاً للشك. فمع تقدم الأحداث والحوارات التي تدور حول الفضيحة والهروب والخوف من الماضي، نكتشف أن السلطة التي تبدو صلبة من الخارج ليست سوى جدار يحاول إخفاء ارتجاجات عميقة في الداخل. إذ تتحول روان من صورة اجتماعية إلى مأزق إنساني، فلا يعود السؤال كم تملك من النفوذ؟ بل كم تحتاج من النفوذ كي تمنع الماضي من الوصول إليها؟ وهل هذا الانتقال من القوة إلى الضعف هو ما يمنح الشخصية عمقها الحقيقي؟
لا أعرف لماذا أخذتني شخصية روان إلى شخصية ميراندا بريستلي التي جسدتها ميريل ستريب في فيلم The Devil Wears Prada. فكلا الشخصيتين تنتميان إلى عالم السلطة والهيبة والإدارة والسيطرة على الآخرين. كلاهما يفرض الإيقاع على المكان، وكلاهما يجعل الآخرين في حالة استنفار دائم. لكن التشابه يتوقف تقريباً عند هذه النقطة. ميراندا تمثل سلطة مؤسسة، إنها جزء من آلة ضخمة اسمها عالم الموضة، ولذلك تبدو باردة ومنضبطة كأنها قانون طبيعي لا يمكن تغييره. أما روان فتمثل سلطة شخصية أكثر منها مؤسسية، إنها تحاول إدارة عالمها بينما تخوض في الوقت نفسه معاركها الخاصة مع الذاكرة والخسارة والخوف.
تتفوق ميريل ستريب في بناء شخصية تجعل البرود نفسه لغة كاملة. نظرة واحدة من ميراندا قد تساوي صفحة من الحوار، وصمتها قد يكون أكثر عنفاً من الصراخ. لقد أدركت ستريب أن النفوذ الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض، لذلك جعلت الشخصية تتحرك بأقل قدر ممكن من الانفعال. أما رولا حمادة فتسلك طريقاً مختلفاً. فهي لا تقدم سلطة متجمدة، بل سلطة متوترة. هناك دائماً شعور بأن شيئاً ما يتحرك تحت السطح، وأن الشخصية تبذل جهداً مستمراً للحفاظ على تماسك صورتها. لهذا تبدو روان أكثر قرباً من الدراما العربية المعاصرة التي تهتم بالجروح الخفية أكثر من اهتمامها بالبنى المهنية الصلبة. ما يجعل الشخصيتين متشابهتين هو أن كلتيهما تفهمان البشر جيداً. ليست القوة في السيطرة على الأشياء، بل في قراءة الناس. ميراندا تستطيع أن تلتقط نقاط ضعف الآخرين خلال ثوانٍ، وأن تعرف أين تضغط ومتى تصمت ومتى تتكلم. وروان أيضاً تملك هذه الحساسية، لكنها تستخدمها بطريقة مختلفة. فبينما تتعامل ميراندا مع العلاقات كجزء من شبكة العمل والنفوذ، تتعامل روان معها كجزء من معركة أعمق مرتبطة بالثقة والانتماء. ولهذا تبدو عينا ميراندا مراقبتين للعالم من الخارج، بينما تبدو عينا روان وكأنهما تبحثان في الوقت نفسه عن العالم وعن نفسها. إنهما تمثلان شكلين مختلفين من الذكاء الإنساني هما ذكاء يبني الإمبراطوريات، وذكاء يحاول النجاة من الخراب.
ومن الناحية البصرية، تبدو الشخصيتان وكأنهما تنتميان إلى فلسفتين مختلفتين في فهم النفوذ. شعر ميراندا الفضي يوحي بالخبرة والبرود والتجرد، بينما شعر روان النحاسي يكاد يتحول إلى إعلان عن الذات. ميراندا تريد أن يُطاع أمرها، أما روان فتريد أن يُرى حضورها أيضاً. الأولى تعتمد على الاقتصاد البصري، كل شيء فيها محسوب ومختزل. أما الثانية فتستخدم وفرة العلامات البصرية كي تبني هالة حول نفسها. لذلك فإن صورة روان أكثر حرارة وحيوية، في حين أن صورة ميراندا أكثر بروداً وانضباطاً.
لكن الفرق الأهم يكمن في علاقة كل منهما بالضعف. ميراندا بريستلي تخفي ضعفها خلف جدار من الكفاءة المطلقة، فلا نرى تصدعاتها إلا في لحظات نادرة جداً، أما روان فتبدو أقرب إلى شخصية تعرف أن تصدعاتها موجودة، وتحاول التعايش معها بدل إنكارها بالكامل. ولهذا فإن المشاهد التي تتناول الخوف من الفضيحة أو الهروب من الماضي لا تبدو إضافات جانبية في بناء الشخصية، بل هي جوهرها الحقيقي. فكل سلطة روان تبدو أحياناً كأنها محاولة دائمة لتعويض شيء انكسر في مكان ما من حياتها.
أداء رولا حمادة ينجح فهو يشعرنا أنها لا تبذل جهداً في التمثيل، لأنه لا يكتفي بتجسيد امرأة نافذة، بل يلتقط التناقض الداخلي بين الرغبة في السيطرة والحاجة إلى النجاة. إنها لا تمثل القوة باعتبارها انتصاراً نهائياً، بل باعتبارها حالة دفاع مستمرة. وهذا ما يجعل الشخصية أكثر إنسانية وأقل أسطورية من ميراندا بريستلي. فبينما تتحول ميراندا إلى رمز عالمي للسلطة المهنية، تبقى روان أقرب إلى الإنسان الذي يحاول حماية نفسه من السقوط عبر بناء صورة يصعب اختراقها. لكن السؤال الذي فرض نفسه وأنا أنقب في شخصية روان هو لماذا نغفر للشخصية الأجنبية تناقضاتها ونطالب الشخصية العربية بالكمال؟
وهكذا تكشف المقارنة بين الشخصيتين أن السلطة ليست شكلاً واحداً. قد تكون سلطة باردة كالجليد كما عند ميراندا، وقد تكون سلطة متوهجة تخفي خلف ألوانها وأسوارها قلقاً دائماً كما عند روان. وفي الحالتين يبقى السؤال الأعمق الذي تطرحه الدراما وهي إذا كانت السلطة قادرة على إخضاع الآخرين، فهل تستطيع أيضاً أن تخفي الخوف الذي نحمله في أعماقنا، أم أن أكثر الشخصيات هيبةً ليست سوى أرواح تحاول الدفاع عن نفسها من ذاكرة لا تكف عن المطاردة؟