خِناق المعابر والنفط والأسيكودا: مأزق المسار الحرج في السياسة الكُردية المعاصرة

كبرى خطايا العقل السياسي الكُردي المعاصر تكمن في عجزِهِ عن الانعتاق من أسر "الثنائيات الحزبية" وصياغة نموذج حوكمة مؤسساتي جامع.

تدرج القضية الكُردية اليوم في أدق مساراتها الجيوسياسية؛ حيث تتداخل الهوية القومية المصابة بـ"فوبيا التاريخ" وهواجسه، مع مشهد إقليمي يتسم بـ"خريف السيادة الوطنية" في دول المشرق العربي. إن القراءة المتأنية للمشهد الكُردي، في أجزائه المختلفة، تكشف عن بنية سياسية مأزومة تبحث عن تموضع داخل إقليم يعاد رسم خرائطه بالنار والاتفاقيات الأمنية العابرة للحدود.

بين مطرقة الانقسام الداخلي وسندان التوازنات الإقليمية، لم تعد الأدوات السياسية التقليدية صالحة لإدارة البقاء، مما يفرض ضرورة ملحة لصياغة عقل سياسي جديد يتجاوز السرديات القديمة نحو مقاربات استراتيجية توظف الجغرافيا بدلاً من أن تظل ضحية لها.

تكمن كبرى خطايا العقل السياسي الكُردي المعاصر في عجزِهِ عن الانعتاق من أسر "الثنائيات الحزبية" وصياغة نموذج حوكمة مؤسساتي جامع. في إقليم كُردستان العراق، يتجاوز الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني حدود التنافس الديمقراطي، ليتحول إلى شبه انقسام إداري وأمني واقتصادي عميق يعطل استكمال بناء مؤسسات الإقليم.

هذا الانسداد، الممتد عبر جولات انتخابية معقدة، لا يُضعف الموقف الكُردي في مواجهة مركزية بغداد المتصاعدة فحسب، بل يهدد الكيان الدستوري للإقليم برُمته، خاصة مع لجوء بعض الأطراف المتنافسة أحياناً للاستقواء بالخارج الإقليمي لتعديل موازين القوى الداخلية.

ويمتد هذا الانشطار الأيديولوجي والسياسي إلى غرب كُردستان (شمال شرق سوريا)، أيضاً حيث يتواصل الشرخ البنيوي بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني الكُردي، وتجلى ذلك مؤخراً في تباين المواقف حول المشاركة والمقاطعة لانتخابات مجلس الشعب السوري.

هذا الانقسام يحرم الكُرد من صياغة رؤية تفاوضية موحدة وقوية تضمن حقوقهم الدستورية في أي تسوية مستقبلية للأزمة السورية. إن غياب المأسسة الحقيقية وسيادة المنطق الحزبي الضيق أدى إلى تآكل الحواضن الشعبية وتصاعد وتيرة هجرة النخب الفكرية والشبابية، مما أفرغ الساحة من الكفاءات القادرة على تحديث الخطاب السياسي ومواجهة التحديات الوجودية.

على الصعيد الخارجي، يواجه الكُرد واقعاً إقليمياً شديد العدائية يتسم برغبة عواصم الجوار (أنقرة وطهران) في تقويض أي صعود كُردي عبر تدويل الصراعات الداخلية. يتجلى ذلك في العمليات العسكرية المستمرة والضربات الصاروخية التي تستهدف البنية التحتية والمناطق الآهلة، متذرعةً بوجود الأحزاب المعارضة.

ولم يعد الأمر مقتصراً على الآلة العسكرية، بل تعداه إلى "الاتفاقيات الأمنية للتجريد" مثل الاتفاق الأمني الأخير بين بغداد وطهران، والذي أسفر عن نزع سلاح الأحزاب الكُردية الإيرانية ونقلها إلى مخيمات مغلقة، مما يوضح كيف تُوظف القوى الإقليمية سيادة الدول الهشة لضرب العمق الاستراتيجي للكُرد.

وتتكامل هذه الضغوط الأمنية مع خناق اقتصادي ومالي محكم؛ فتجميد تصدير نفط الإقليم عبر ميناء جيهان التركي، وإلزام الاقليم بتسليم العائدات إلى بغداد، خطوة لإفراغ الاستقلال الاقتصادي للإقليم من معناه، وتحوله إلى رهينة للموازنات الاتحادية والتقلبات السياسية في العاصمة العراقية.

بالتوازي مع ذلك، فإن فرض أنظمة جمركية موحدة (مثل نظام أسيكودا) ومحاولة السيطرة على المنافذ الحدودية يهدف إلى تجريد الكُرد من أدوات القوة الاقتصادية، وتحويل كيانهم السياسي إلى إدارة محلية منزوعة الصلاحيات السياسية والسيادية، مما خلق أزمة سيولة بنيوية وفجوة ثقة بين الشارع الكُردي والقيادات التقليدية، وبروز حركات معارضة جديدة تُسائل البنية القديمة.

تاريخياً، ارتبطت المعضلة الكُردية بظاهرة "التحالفات المؤقتة" مع القوى الدولية، لاسيما الولايات المتحدة والغرب. ورغم الدعم العسكري واللوجستي المؤثر في معارك محاربة الإرهاب، إلا أن هذا الدعم ظل محكوماً بسقف "الواقعية السياسية" للدول الكبرى، والتي تفضل في نهاية المطاف الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع دول مركزية مثل تركيا أو الحفاظ على توازنات إقليمية أوسع.

إن الرهان المطلق على الضمانات الدولية دون بناء جبهة داخلية متماسكة يمثل خطأ استراتيجياً متكرراً، فالغرب يتعامل مع الملف الكُردي من منظور أمني وظيفي وليس من منظور اعتراف سياسي وقانوني بحق تقرير المصير. هذا التباين بين التوقعات الكُردية والسقوف الدولية يجعل المكتسبات الكُردية عرضة للمساومات في أي صفقة كبرى بين القوى العظمى والأنظمة الإقليمية، مما يفرض على الكُرد الكف عن دور "الشريك الميداني المؤقت" والبحث عن أوراق قوة ذاتية تفرض نفسها على طاولة المصالح الدولية.

لمواجهة هذا الانسداد التاريخي، يتطلب الأمر قفزة فكرية واستراتيجية تتجاوز الأدبيات السياسية الكلاسيكية، ويمكن بلورة هذه الأفكار الجديدة في المحاور التالية:

1. من "القومية الانفصالية" إلى "الاتحادية والسيادة الوظيفية"

يتعين على النخب الكُردية إعادة صياغة مفهوم العلاقة مع العواصم المركزية، عبر الانتقال من المطالبة بالانفصال أو الاستقلال الشكلي إلى ترسيخ "الاتحادية الوظيفية" واللامركزية الدستورية داخل حدود الدول القائمة كخيار استراتيجي في الظرف الراهن.

يعني ذلك جعل الشراكة الكُردية في صياغة القرار الاستراتيجي والسياسة الخارجية والمنظومة الدفاعية للدول القائمة شرطاً أساسياً لاستقرار تلك الدول. إن تقديم الهوية الكًردية كعنصر استقرار وتوازن لبغداد أو دمشق، وليس كمهدد لوحدتها، يسحب الذرائع من يد التيارات الشوفينية ويمنح الكُرد شرعية دستورية يحميها القانون الدولي، مع التأكيد على أن استقرار العواصم يعتمد بنيوياً على الاعتراف بالشعب الكُردي كشريك مؤسس لا كأقلية؟.

2. مأسسة الدبلوماسية القومية وعقد المؤتمر الاستراتيجي الشامل

إنشاء مجالس استشارية ونخبوية مشتركة عابرة للحدود والحزبيات، تضم ممثلي الكُرد في الأجزاء الأربعة. لا تهدف هذه المظلة إلى الصدام العسكري مع دول الجوار، بل تعنى بتوحيد الخطاب الدبلوماسي الكُردي في المحافل الدولية وتجنب الاقتتال الكردي الكردي.

هذا التنسيق يحمي القضية من التفتيت ويمنع القوى الإقليمية من استخدام أي فصيل أو حزب كردي ضد آخر في حروب بالوكالة. إن مأسسة العلاقات البينية وتحويلها إلى روابط اقتصادية وثقافية وفكرية يبني شبكة أمان قومية قادرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية، وتمثل الائتلافات السياسية الأخيرة بين بعض الأحزاب الكُردية الإيرانية في أربيل خطوة أولى تحتاج إلى مأسسة أوسع.

3. عقيدة الحياد الإيجابي البنّاء في صراع المحاور

في ظل الاستقطاب الحاد بين المحور الإيراني والمحاور الإقليمية والدولية المقابلة، يجب على القيادة الكُردية تبني عقيدة "الحياد الإيجابي". يتضمن ذلك النأي بالنفس عن الدخول كطرف في تصفية الحسابات الإقليمية، ورفض تحويل الأراضي الكُردية إلى منطلق لتهديد أمن دول الجوار، مقابل انتزاع ضمانات أمنية واقتصادية متبادلة. الحياد هنا ليس ضعفاً، بل هو مناورة استراتيجية ودبلوماسية مرنة لحفظ الكيان، وحماية المدنيين من الضربات الانتقامية، ومنع تحويل المدن الكُردية إلى ساحات حرب مفتوحة لخطط إسقاط أو إضعاف الأنظمة المجاورة.

4. استراتيجية "شبكات المصلحة" والتحول إلى ممر اقتصادي حيوي

بدلاً من الاعتماد على الدعم السياسي الغربي المتقلب، يجب التركيز على بناء "شراكات مصلحة" راسخة مبنية على الاقتصاد، والأمن، والطاقة، والتحول الرقمي مع القوى الاقتصادية العالمية والشركات متعددة الجنسيات. إن تحويل مناطق النفوذ الكُردي إلى مراكز جذب استثماري، وممرات آمنة للتجارة والخدمات اللوجستية، يخلق شبكة مصالح دولية معقدة تصبح صيانة أمنها واستقرارها مصلحة حيوية لتلك القوى.

عندما ترتبط المصالح الاقتصادية الدولية باستقرار الجغرافيا الكُردية، يصبح الدفاع عن هذا الاستقرار ضرورة استراتيجية للعالم بدافع المنفعة المتبادلة، وهو حائط صد أكثر متانة من الوعود السياسية والأيديولوجية المتقلبة.

إن المشهد السياسي الكُردي يمر اليوم بمرحلة دقيقة وتاريخية تشهد إعادة تموضع على المستويين الداخلي والخارجي، مدفوعةً بمتغيرات جيوسياسية متسارعة وتحولات في موازين القوى في الشرق الأوسط. تشخيص هذه المشاكل وسبل معالجتها يتطلب تفكيك الأزمات إلى مستويات واضحة، من الإدارة المحلية إلى العمق الإقليمي.

إن التخلص من "فوبيا التاريخ" وتجاوز "خريف السيادة" يفرض على النخب الكُردية قراءة الواقع بعيون براغماتية، فالبقاء في عالم اليوم لا تحميه الشعارات، بل تصنعه المؤسسات المتماسكة وشبكات المصالح الذكية التي تجعل من الجغرافيا الكُردية رقماً صعباً في معادلة الاستقرار الإقليمي.