دبلوماسية أميركا في عهد ترامب تُربك الحلفاء
واشنطن - حذر دبلوماسيون وخبراء غربيون من أن الاضطرابات التي تشهدها الدبلوماسية الأميركية في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أضعفت قنوات التواصل التقليدية مع الحلفاء، وأدت إلى حالة من الغموض بشأن آليات صنع القرار في واشنطن، بما يفاقم مخاطر الأزمات الدولية وسوء التقدير.
وتكشف مقابلات مع دبلوماسيين ومسؤولين أميركيين وأوروبيين أن حكومات غربية باتت تواجه صعوبة متزايدة في فهم توجهات الإدارة الأميركية، خصوصا بعد تصريحات وتصرفات مثيرة للجدل صدرت عن ترامب خلال ولايته الثانية، بينها تهديدات لإيران أثارت مخاوف من احتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة نووية.
وقال دبلوماسي أوروبي إن حكومته سعت بشكل عاجل للحصول على توضيحات من وزارة الخارجية الأميركية بعد تهديد ترامب بأن "حضارة كاملة ستفنى الليلة"، لكن المسؤولين الأميركيين لم يتمكنوا من تفسير ما قصده الرئيس أو ما إذا كانت تصريحاته تعكس توجها فعليا نحو التصعيد العسكري.
ويرى مراقبون أن هذه الحادثة تعكس تراجعا غير مسبوق في فعالية الدبلوماسية الأميركية، في وقت أصبحت فيه السفارات والقنوات الرسمية أقل قدرة على تفسير سياسات البيت الأبيض أو التأثير فيها، بينما تتركز القرارات في دائرة ضيقة مقربة من ترامب.
وبحسب الجمعية الأميركية للخدمة الخارجية، هناك أكثر من مئة منصب سفير شاغر حاليا حول العالم، فيما تدير العديد من السفارات بعثات مؤقتة يقودها قائمون بالأعمال بدلا من سفراء معتمدين، وهو ما تعتبره بعض الدول خفضا لمستوى العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن.
وقالت المؤرخة البريطانية مارغريت ماكميلان إن إدارة ترامب تقوض قدرة الولايات المتحدة على استخدام الدبلوماسية كأداة لبناء التفاهمات ومنع النزاعات، محذرة من أن ذلك قد يزيد من الاضطراب الدولي.
في المقابل، تدافع إدارة ترامب عن التغييرات باعتبارها جزءا من خطة لإعادة هيكلة وزارة الخارجية وتقليص البيروقراطية، مؤكدة أن النهج الجديد يجعل السياسة الخارجية أكثر كفاءة وانسجاما مع أجندة "أميركا أولا".
وخلال العام الماضي، غادر نحو ثلاثة آلاف موظف وزارة الخارجية الأميركية، سواء عبر الإقالة أو الاستقالات الطوعية، كما تم استدعاء عشرات السفراء بشكل مفاجئ، في خطوة وصفها دبلوماسيون سابقون بأنها "تطهير دبلوماسي" أضعف الخبرة المؤسسية داخل الجهاز الدبلوماسي الأميركي.
وأدى هذا التحول إلى تزايد اعتماد البيت الأبيض على مبعوثين مقربين من ترامب، مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، اللذين باتا يلعبان أدوارا محورية في ملفات حساسة كإيران وأوكرانيا وغزة، رغم افتقار بعضهم إلى الخبرة الدبلوماسية التقليدية.
كما بدأت حكومات أجنبية في البحث عن قنوات بديلة للوصول إلى الرئيس الأميركي، متجاوزة السفارات ووزارة الخارجية. فقد أقام مسؤولون كوريون جنوبيون اتصالات مباشرة مع كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز خلال أزمة الرسوم الجمركية، بينما استعانت اليابان بمؤسس "سوفت بنك" ماسايوشي سون لنقل الرسائل إلى ترامب.
ويقول دبلوماسيون إن هذا الواقع دفع عددا من الحلفاء إلى اعتماد سياسة "ضبط النفس" تجاه تصريحات ترامب المثيرة، خشية أن يؤدي الرد العلني إلى مزيد من التصعيد. فبعد تهديداته لإيران، أعدت بريطانيا وفرنسا وألمانيا بيانا شديد اللهجة للرد عليه، لكنها تراجعت عن نشره بعدما خلصت إلى أن تجاهل التصريحات قد يكون الخيار الأقل خطورة. وبالفعل، أعلن ترامب لاحقا وقفا لإطلاق النار.
وأصبحت هذه المقاربة تعرف بين بعض الدبلوماسيين الأوروبيين باسم "طريقة ميركل"، في إشارة إلى الأسلوب الهادئ الذي اتبعته المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل خلال تعاملها مع ترامب في ولايته الأولى، والقائم على تجنب المواجهة العلنية مع الحفاظ على المصالح الوطنية.
وتزامن ذلك مع تراجع دور مجلس الأمن القومي الأميركي، الذي خفض ترامب عدد موظفيه بشكل كبير، فيما تحدث مسؤولون أميركيون عن غياب الاجتماعات المنتظمة الخاصة بالسياسة الخارجية والأمن القومي، واضطرار بعض الموظفين إلى متابعة حساب ترامب على منصة "تروث سوشال" لفهم توجهاته السياسية.
وفي أوكرانيا، قالت السفيرة الأميركية السابقة في كييف بريدجيت برينك إن قرار وقف المساعدات العسكرية الأميركية جاء دون أي تنسيق أو توضيح للسفارة، مضيفة أن محاولات الحصول على تفسير من وزارة الخارجية أو البيت الأبيض لم تسفر عن نتائج.
واعتبرت برينك أن نهج ترامب تجاه روسيا وأوكرانيا، والقائم على التقارب مع موسكو وتحميل كييف جزءا من المسؤولية، دفعها في النهاية إلى الاستقالة احتجاجا.
وفي سياق متصل، أثار ضعف الخبرة الفنية لدى بعض مبعوثي ترامب مخاوف أوروبية خلال المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. وقال دبلوماسي أوروبي إن مسؤولين أميركيين احتاجوا إلى شرح من الأوروبيين لفهم بعض الجوانب التقنية المرتبطة بتخصيب اليورانيوم.
كما واجه المبعوثون المقربون من ترامب انتقادات داخل الولايات المتحدة بشأن تضارب المصالح المحتمل، خاصة مع امتلاك بعضهم علاقات تجارية واسعة في الشرق الأوسط.
ويرى دبلوماسيون غربيون أن التحولات الجارية في واشنطن دفعت دولا عدة إلى إعادة تقييم طريقة تعاملها مع الولايات المتحدة، بعدما أصبحت القرارات الخارجية مرتبطة بدرجة كبيرة بشخص الرئيس ودائرته الضيقة، بدلا من المؤسسات التقليدية التي شكلت لعقود أساس السياسة الأميركية.