دعم رئاسي يعزز مشروع الزيدي لحصر السلاح
بغداد – يسرع العراق خطواته لتسوية ملف الميليشيات وهي أحد أكثر الملفات الأمنية والسياسية تعقيداً في البلاد، في ظل توافق متزايد بين الرئاسة وبقية المؤسسات الرسمية على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة باعتباره مدخلاً أساسياً لترسيخ الاستقرار وتعزيز مكانة العراق إقليمياً ودولياً.
ويعكس الدعم الذي يبديه كل من رئيس الجمهورية نزار آميدي ورئيس الوزراء علي الزيدي لهذا التوجه وجود إرادة سياسية موحدة لدفع مشروع تنظيم السلاح نحو مراحل أكثر تقدماً، خاصة مع تصاعد الضغوط الأميركية الداعية إلى تعزيز سلطة الدولة وإنهاء مظاهر التسلح خارج المؤسسات الرسمية.
وخلال مشاركته في منتدى دلفي الاقتصادي بمدينة السليمانية، شدد آميدي على أهمية التفاهمات الجارية مع بعض القوى المسلحة التي أبدت استعدادها للتعاون مع الدولة، معتبراً أن الوصول إلى ترتيبات تضمن حصر السلاح بالجهات الرسمية يمثل خطوة ضرورية لتعزيز الأمن وتوفير بيئة مستقرة تساعد على التنمية والاستثمار.
وأكد الرئيس العراقي أن الاستقرار لم يعد مجرد هدف داخلي، بل تحول إلى شرط أساسي لتحقيق النمو الاقتصادي وجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، مشيراً إلى أن العراق بحاجة إلى معالجة تحدياته الأمنية بالتوازي مع تنفيذ خطط الإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الموارد الريعية.
وتتزامن هذه التصريحات مع بدء تنفيذ خطوات ميدانية تعد الأولى من نوعها في إطار خطة دمج الفصائل المسلحة ضمن المنظومة الأمنية الرسمية. وأعلنت الجهات الأمنية العراقية خلال الأيام الماضية تسلم مقار وأسلحة تابعة لسرايا السلام في سامراء، في خطوة جاءت استجابة لمبادرة أطلقها زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر.
كما أعلنت فصائل أخرى اتخاذ إجراءات مشابهة، من بينها عصائب أهل الحق التي شكلت لجنة مختصة للإشراف على عملية تنظيم أوضاع تشكيلاتها وجرد الأسلحة والمعدات، فضلاً عن إعادة ترتيب العلاقة مع القيادة العامة للقوات المسلحة. وسارت كتائب الإمام علي في الاتجاه ذاته عبر إطلاق ترتيبات تهدف إلى إعادة دمج منتسبيها ضمن المؤسسات الرسمية للدولة.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس تقدماً ملحوظاً في مسار المشروع الحكومي، خصوصاً أنه يحظى بدعم سياسي من قوى مؤثرة داخل المشهد الشيعي إلى جانب تأييد أميركي واضح يعتبر نجاح بغداد في هذا الملف مؤشراً مهماً على قدرتها على فرض القانون وتعزيز مؤسسات الدولة.
وتعتقد واشنطن أن معالجة قضية السلاح خارج إطار الدولة تمثل خطوة ضرورية للحد من التدخلات الايرانية وتحسين المناخ الاستثماري، بما يفتح المجال أمام استقطاب الشركات الأجنبية وتوسيع فرص النمو الاقتصادي وإعادة الإعمار.
مع ذلك، لا تزال الحكومة تواجه تحديات جدية في ظل رفض بعض الفصائل المنضوية ضمن ما يعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق" لهذه التوجهات. وقد أعلنت حركة النجباء رفضها لمشروع حصر السلاح، معتبرة أن المقترحات المطروحة تستهدف قدرات فصائل المقاومة والحشد الشعبي.
وفي محاولة لتسهيل عملية الانتقال، تتحدث أوساط عراقية عن خطط لتوفير عشرات الآلاف من فرص العمل للعناصر التي ستنخرط في المؤسسات الرسمية بعد تسليم أسلحتها، بما يوفر بديلاً اقتصادياً واجتماعياً يسهم في إنجاح المشروع.
ويبدو أن الرهان الأساسي للسلطة العراقية في المرحلة المقبلة يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين فرض احتكار الدولة للسلاح والحفاظ على الاستقرار الداخلي. فالقضية تتجاوز البعد الأمني المباشر لتلامس شبكة واسعة من المصالح والتوازنات السياسية التي تشكلت خلال السنوات الماضية، ما يجعل نجاح المشروع اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على استعادة زمام المبادرة وترسيخ سيادتها على كامل أراضي البلاد.