'رحلة بين ألوان وأضواء': نصف قرن من إبداع علي الزنايدي

مركز الفن الحي البلفيدير ينظم المعرض الشخصي للفنان التشكيلي التونسي ليسلط الضوء على أهم أعماله من الإبداع بين الرسم والتلوين والكولاج ويبرز التجربة الفنية التونسية المعاصرة في تونس والوطن العربي.

للفترة من 04 إلى 30 أكتوبر/تشرين الاول 2025، وتحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، ينظم مركز الفن الحي "دار الفنون" بالبلفيدير، بالتعاون مع إدارة الفنون التشكيلية، المعرض الشخصي الاستعادي للفنان التشكيلي علي الزنايدي، وذلك ضمن عنوان لافت ودال هو "رحلة بين ألوان وأضواء 1975-2025"، ليضم عددًا مهمًا من الأعمال الفنية التي ميزت تجربة الزنايدي خلال نصف قرن من الممارسة التشكيلية الإبداعية بين الرسم والتلوين والكولاج. ويحضر هذا المعرض عدد مهم من الفنانين والمهتمين بالتشكيل والجماليات، بالنظر للتجربة المميزة لعلي الزنايدي.

يعد الفنان التشكيلي علي الزنايدي واحدًا من أبرز التجارب الفنية التشكيلية المعاصرة في تونس والوطن العربي، حيث يشتغل على مشهدية تشكيلية متنوعة بين اليومي والتراثي والمجتمعي، في حالات من شاعرية التلوين والرسم. وقد تعددت مشاركاته الفنية في تونس والبلاد العربية والعالم، من خلال المعارض الشخصية والمشاركة في المعارض الجماعية، فضلاً عن مداخلاته في الندوات والملتقيات العلمية المتصلة بالفن وجمالياته وتاريخه ورموزه وتياراته. وإلى جانب إبداعاته المتواصلة ومهامه في تدريس التربية التشكيلية في المعاهد التونسية وعدد من النوادي، فقد تحمل مسؤوليات منها إشرافه على إدارة الفنون التشكيلية بوزارة الشؤون الثقافية في تونس واستشارته كخبير في الأعمال الفنية.

وفي هذا السياق، تحتفي الساحة الفنية والثقافية في تونس بتجربة "سيد علي"، من خلال إقامة هذا المعرض الشخصي لأعماله مع إصدار كتاب فني ضمن الاحتفاء بالتجربة، التي تمتد على 50 سنة من الرسم والتلوين.

وبخصوص تجربته، نقول: "ماذا لو تجلت تلك الشذرات المنبثقة من المشهد اليومي، والتي هي وحدها المشكلة لهذه التي نسميها الحياة؟ ماذا يفعل الكائن عندئذ؟ هل يوقد جمر الكلام؟ وهل يلوذ بالصمت؟ وهل يقطف برتقال اللغة؟ وهل يمضي إلى الصمت يحتفي بالألوان التي تقول ولا تقول، تحاور وتحاول عوالم الأشياء؟ هي عظمة الأسئلة التي لا تلوي على غير البوح تجاه الذاكرة والحنين، بما يعزز من قوة اللحظة في راهنها وشحنتها وتألقها وتوقها ومركزيتها وهامشيتها وجمالها الأخاذ وفعلها الثقافي، بل الحضاري. نعم، الألوان تتكلم لتقول، بل تصرخ نشدانا للعين لترى ما به يصير المشهد عنوانًا باذخًا من عناوين الإبداع والامتاع، في تجليات شتى يلونها السحر والشجن المبثوث بين التفاصيل والأجزاء.

إن الفنان يظل يسابق الرياح للقبض على المعاني وكنهها الإنساني والوجداني وألوانها الملائمة في حيز إنساني يتسم بالتعميم والتعويم ونثر الضباب لتقليص البون بين الحالة والآلة. نعم، الفنان يمضي ديدنه الكشف ومساءلة العناصر والموجودات نحتًا للقيمة وتثبيتًا لما نسميه السمو، إنه السمو بما هو ساحر وجميل وفاتن وهام في حياتنا التي يقف على أرضها المبدعون، الفنانون الذين لا يقنعون بغير النظر تجاه الشمس، نشدانا للعلو وللقيمة. أليست الشمس مهد الكلمات؟ والكلمات لباسها الألوان والأصوات والحلم؟ أنت، أيتها الألوان الضاجة بالأصوات مثل ناي قديم، يرافقك الطفل وهو يطاردك مثل فراشات من ذهب الأزمنة، لوحات بالألوان وأخرى بالخطوط، والكولاج بخبرة الفنان ليصبح وجهًا من وجوه اللوحة جماليا، كل ذلك وفق إيقاع فني عرف به علي الزنايدي وراح ضمنه يطور أساليب العمل والبحث والابتكار. والزمن في كل ذلك إطار متحرك ومفتوح. نعم، هكذا هو التجوال في بستان الزنايدي الفني، لتبرز القيمة والعلامة في تجربة فنان تونسي رأى في اللوحة إطارًا حرًا وفسيحًا لمحاورة الذات والآخرين والعالم.

من حي باب الفلة وفي أجواء نهج السبخة، بهدوئه وناسه الطيبين وأزقته الشاسعة بالمحبة والشجن، كانت الخطى الأولى حيث الطفل المتوغل في مسارب اللون والعبارة المرسومة على الملامح وفي الوجوه، من صحن الدار العربي ولمعان الجليز والأصوات المنبعثة من السوق، حيث الأمتار القليلة الفاصلة عن المدينة العربية. من كل هذا وغيره بزغت فكرة الذهاب الجمالي في التعاطي مع القماشة منذ السبعينات، وهي الرحلة المفتوحة إلى الآن على الفن بما هو المحبة وكذلك الشجن، تجربة بينت عمقها وأصالة عناوينها لتبرز قوية ومهمة في تونس والوطن العربي عمومًا، إلى جانب تجارب أخرى.

من هذا الباب الذي سميناه الحلم، ألج عوالم أحد هؤلاء الفتية المأخوذين بالفن بما هو الحلم الذي تتعدد تيماته، حيث البساطة التي تصول وتجول في الدروب، الشوارع والأحياء والمدن، والبساطة هي أصعب أعمال الفنان. الفتى هو الفنان الكبير علي الزنايدي، الذي اتخذ لفنه نهجًا مخصوصًا ضمن تجربة امتدت لأكثر من أربعة عقود، تميزت بدأبها الجمالي وجديتها من حيث العمل على رصد الجميل في الحياة التونسية، المدينة وعناصر حيويتها وحركتها المفتوحة على شتى العناوين والألوان. هناك حميمية فارقة تطبع أعمال الزنايدي، منها الحكاية المبثوثة في العمل التشكيلي، بما يجعلها تتجاوز القماشة إلى فضاءات أخرى، منها الذات المتقبلة وما تزخر به من كيانات وأحاسيس، الأمر الذي يحدث ذلك التفاعل الوجداني والجمالي ليصير ضربًا من الثقافة البصرية المتشبثة بالأصيل والحديث، لتجعل منهما جناحين للشخصية التونسية الآن وهنا.

هذا الأمر يرافق أعمال الفنان التشكيلي علي الزنايدي في مختلف معارضه السابقة والحديثة، سواء في تونس أو خارجها، وهذا ما نلمسه في لوحاته: مسحة من التجديد وعناوين شتى وتقنيات مختلفة، كانت في اللوحات لتعبر عن هذا النسق الجمالي المتجدد عند الزنايدي، وهو ينظر تجاه العناصر المختلفة يحاولها ويحاورها ضمن القول بالتعاطي الثقافي والفكري والوجداني معها. الفنان علي يسعى لتقديم أعمال ضمن عنوان المشهدية في أشكالها المختلفة، لنشاهد على اللوحات حالات من الحكايات فيها البانوراما وفيها المواضيع المحددة، لكنها تحتفي بذاتها بعيدًا عن الاجترار، حيث الألوان الدالة على الأعماق العربية الإسلامية والعلامات التونسية المستلهمة في الحياة اليومية. الحياة تنبض حركة وتدرجًا في الموضوع للوصول إلى بانورامية الحالة.

هكذا هو التجوال في بستان الزنايدي الفني، لتبرز القيمة والعلامة في تجربة فنان تونسي رأى في اللوحة إطارًا حرًا وفسيحًا لمحاورة الذات والآخرين والعالم وفق إيقاع تشكيلي، هاجسه التجدد ومزيد التوغل في البيئة الثرية، البيئة التونسية بحكاياتها وأشجانها وبمختلف رموزها وعلاماتها، ولا شيء سوى نشدان الامتاع والإبداع، قولًا بالعذوبة والسحر والجمال الوجداني والمكاني المبثوث في الحالة، وهي في عنفوان بهائها النادر. هناك عشق مبثوث في تفاصيل الأعمال، هو عشق البيئة الغنية والمتنوعة، الغنية بثقافتها والمتنوعة في ممكنات التأويل.

إن الفنان علي الزنايدي يستبطن جيدًا جغرافيا المدينة ودلالات ألوانها وعطورها من حكايات وذاكرة ومناسبات وعلامات وتقاليد. إن أسلوب الزنايدي اتخذ خطه الخاص به، حيث المفردة التشكيلية لا تلوي على غير القول بالعمق المرادف للبساطة، وفق عنوان عام هو حميمية الفهم لحظة النظر، حيث تنعدم حالة الانبهار تجاه الفنان والإنسان، إنها فقط لحظة إرضاء الذات التي يحتشد فيها ذاك التراكم الثقافي والوجداني والشعبي بمعناه العميق، وهنا تشتغل قدرات الزنايدي لتواصل سيرها نحو الآفاق الرحبة التي يمنحها الفن. لوحات بالألوان وأخرى بالخطوط والكولاج بخبرة الفنان ليصبح وجهًا من وجوه اللوحة جماليا. علي الزنايدي فنان مفتوح على الذاكرة والراهن وفق حالات المجتمع والناس وبطفولة وحميمية وإحساس، حيث اللوحة كتابه المفتوح على الآخرين، والذات الفنانة المقيمة فيه.

1975 إلى 2025، نصف قرن من رحلة الفنان علي الزنايدي في عالم الفن التشكيلي، ومعرض بمثابة البانوراما الجمالية الدالة على السيرة والمسيرة والشغف الفني المتواصل، وذلك للفترة من 04 إلى 30 أكتوبر 2025.