رحيل هلي الرحباني يثقل حزن فيروز

فاجعة جديدة تضرب بيت الرحابنة بعد أشهر على فقدان زياد، وتستحضر مسيرة أمومة صامتة وحزن عائلة منحت لبنان إرثاً فنياً وإنسانياً لا يُقدّر.

بيروت - خيّم الحزن مجدداً على بيت الرحابنة، مع رحيل هلي عاصي الرحباني، الابن الأصغر للسيدة فيروز، في فاجعة جديدة تأتي بعد أشهر قليلة على فقدان شقيقه الموسيقار زياد الرحباني، ما عمّق جراح عائلة ارتبط اسمها بتاريخ الفن اللبناني والعربي.

وزير الإعلام بول مرقص نعى الراحل بكلمات مؤثرة، مقدّماً تعازيه الحارّة للسيدة فيروز ولعائلة الرحباني، ومعبّراً عن حجم الخسارة الإنسانية والفنية التي تطال لبنان برمّته. وكتب مرقص عبر حسابه على منصة "إكس" "أتقدّم بأحرّ التعازي من السيدة فيروز برحيل نجلها هلي الرحباني، بعد أشهر على فقدان الموسيقار زياد الرحباني"، مضيفاً "إنها خسارة مؤلمة لعائلة قدّمت للبنان والعالم إرثاً فنياً وإنسانياً لا يُقدَّر. رحم الله الراحل، وألهم السيدة فيروز والعائلة الكريمة الصبر والعزاء".

وكان الموت قد غيّب هلي عاصي الرحباني يوم الخميس عن نحو 68 عاماً، وفق ما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام، في محطة حزينة جديدة للعائلة التي لا تزال تحت وقع رحيل زياد الرحباني قبل نحو ستة أشهر.

ومن المقرّر أن يُحتفل بالصلاة لراحة نفس الراحل عند الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم السبت الواقع في العاشر من الشهر الجاري، في كنيسة رقاد السيدة – المحيدثة في بكفيا، على أن تُقبل التعازي قبل الدفن ابتداءً من الساعة الثانية عشرة ظهراً في صالون الكنيسة.

وُلد هلي الرحباني عام 1958، وكان يعاني منذ طفولته من صعوبات ذهنية وحركية، لم يكن متوقعاً شفاؤه منها. غير أن السيدة فيروز، بصمتها المعهودة ووفائها العميق للأمومة، جعلت من رعايته قضية شخصية، ومن وجوده أولوية مطلقة، فكان جزءاً أساسياً من حياتها اليومية بعيداً عن الأضواء، في صورة نادرة للأم التي قدّمت للفن الكثير، ولم تبخل يوماً على عائلتها بالحب والرعاية.

وتعود جذور هذه العائلة الفنية العريقة إلى زواج فيروز من الموسيقار الراحل عاصي الرحباني عام 1954، حيث أنجبت منه أربعة أبناء: زياد (1956)، الكاتب والملحن والموسيقي والمسرحي الذي ترك أثراً عميقاً في الوجدان اللبناني؛ هلي (1958)؛ ليال (1960) التي توفيت عام 1988 إثر سكتة دماغية عن 29 عاماً؛ وريما (1965)، الكاتبة والمخرجة، والتي تتولى اليوم إدارة أعمال والدتها.

وكان لبنان قد ودّع في تموز/يوليو الماضي زياد الرحباني عن 69 عاماً، بعد مسيرة استثنائية أعادت صياغة الأغنية اللبنانية والمسرح السياسي الساخر. زياد، الذي عُدّ من أبرز المجدّدين في الفن اللبناني، لم يكن مجرد موسيقي، بل حالة فكرية وثقافية ناقدة، واجه الواقع اللبناني بجرأة وسخرية لاذعة، وانتقد الانقسامات الطائفية والتقاليد الجامدة، وحتى الإرث الفني الكلاسيكي لوالديه في مراحل تألّقه الأولى.

ونعى رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون زياد الرحباني آنذاك، معتبراً أنه "لم يكن مجرد فنان، بل ضميراً حيّاً وصوتاً متمرّداً على الظلم، ومرآة صادقة كتب وجع الناس وعزف على أوتار الحقيقة من دون مواربة"، مشيراً إلى أن مسرحه وموسيقاه فتحا آفاقاً جديدة في التعبير الثقافي اللبناني وبلغا العالمية.

وتقيم السيدة فيروز اليوم مع ابنتها ريما، التي تدير شؤونها الفنية. وكانت ريما قد نشرت صورا مؤثرة عبر حسابها على فيسبوك جمعت فيروز وهلي وزياد الرحباني، وبدت في إحداها فيروز وهي تدفع كرسياً متحركاً يجلس عليه هلي، فيما يتحاور مع زياد، في مشهد إنساني لامس قلوب المتابعين.

وسارعت وسائل الإعلام اللبنانية إلى نعي هلي الرحباني، معبّرة عن تضامنها العميق مع السيدة فيروز، التي تحتل مكانة استثنائية في وجدان اللبنانيين والعرب، في لحظة حزن وطني تختصر وجع أم، وصمت بيت، وذكرى عائلة صنعت جزءاً كبيراً من ذاكرة لبنان الثقافية.