زياد فايد يرصد علاقة السينما بمأثور الثقافة الشعبية

الباحث يوضح في كتابه "السينما المصرية والفولكلور" أن الوضع الثقافي في مصر يحتم علينا أن نبدأ من زاوية الثقافة الشعبية باعتبارها التكوين الثقافي الذي يشكل البنية التحتية.


السيرتان العنترية والهلالية هما السيرتان الحاضرتان في الأداء الشعبي


السينمائيون اكتشفوا أهمية استخدام المأثور الشعبي لتقريب هذا الفن المستورد إلى أذهان الجمهور

يرى الناقد السينمائي زياد فايد أن تاريخ السينما المصرية قد حفل بعشرات الأفلام التي تتخذ من المأثور الشعبي موضوعا أو عنوانا أو مكانا للحدث السينمائي، سواء أكان هذا المأثور زيا أو اكسسوارا أو عادة أو عقيدة أو سلوكا. 
وتساءل في كتابه "السينما المصرية والفولكلور": كيف حدثت هذه الاستفادة من مأثور الثقافة الشعبية؟ وقال عند تناول السينما من مدخل ثقافي نجد أن الوضع الثقافي في مصر يحتم علينا أن نبدأ من زاوية الثقافة الشعبية باعتبارها التكوين الثقافي الذي يشكل البنية التحتية، والأساس الذي يستند إليه البناء الثقافي في المجتمع المصري وأصحاب الثقافة الشعبية هم الكتلة الرئيسية التي وجه إليها منتجو السينما أعمالهم.
وأضاف فايد أن السينما وفدت إلى مصر في وقت كان التركيب الثقافي في المجتمع المصري منقسما إلى ازدواجية ثقافية كانت تتكرس باستمرار حتى وصلت إلى قسمين كبيرين ثقافة الصفوة وثقافة العامة. 
السينما فضلا عن خصائصها المعروفة أو ربما نتيجة لهذه الخصائص منتج جماهيري ومن ثم يجب أن نضع في اعتبارها اللغة التي تنشيء بها بالسينما خطابها إلى جمهورها، ولحين يتم حوار مع ذهنيته ومنظومته من الرموز والعلامات والايماءات لكي نتواصل معه ونوسع من دائرة مرتاديها. 
في نفس الوقت السينما منتج يرتكز في مرجعيته على مكونات الثقافة الشعبية، حيث إن الثقافة الشعبية هي البيئة الأساسية التي يقوم عليها كل من الثقافة الدارجة والثقافة الرسمية وهما الأساس الذي تنسج به السينما المصرية أفلامها.

فيلما "أجازة نصف السنة، وغرام في الكرنك" اشتملت معظم مشاهدهما على رقصات شعبية وفولكورية مستوحاة من البيئة المحلية في محافظات مصر، سواء من حيث شكل الملابس أو ألوانها أو موسيقاها، بما يمثله من تباين وتميز ومنها رقصات "العصا، الفلاحة، عروسة المولد، الحصان.. إلخ".

وقال فايد إن السينمائيين اكتشفوا من البداية أهمية استخدام المأثور الشعبي لتقريب هذا الفن المستورد إلى أذهان الجمهور ونزع الغربة عنه، كما وجدوا فيه مادة جذابة وجاهزة سواء من ناحية الشكل أو المضمون "الحكي الشعبي، والحكايات والأغاني والشخصيات" وخاصة النمطية منها "الفلاح، الصعيدي".
وتناول فايد فيلم "العزيمة" الفيلم الرائد الذي أخرجه كمال سليم وقام ببطولته فاطمة رشدي وحسين صديقي، مشيرا إلى أن المخرج وظف في بناء الفيلم عناصر غير قليلة من المأثور الشعبي والحكاية الشعبية، فالبطل يواجه افتقاد العمل والمرأة والمركز الاجتماعي، إلى جانب ظروف معاندة وخصم شرس يحميه من عالم الكبار. الشرير قد ينتصر مرحليا ولكن الغلبة في اللحظة الحرجة تكون من نصيب البطل والفتاة هي جائزة الانتصار. ومما لا شك فيه أن مشاهد الحارة التي جرت فيها وقائع الفيلم هي التي أعطت لكل هذا العمل الرائد سياقه الحي الفياض. غير أن الفيلم عندما قدم هذه العناصر من المأثور الشعبي فقد وظفها في حوار مع جمهوره حول هموم أساسية كانت تشغلهم إذ ذاك.
كما تناول فايد فيلم "درب المهابيل" الذي أخرجه توفيق صالح عام 1955 بسيناريو لنجيب محفوظ وحوار عبدالحميد جودة السحار وقاد بأدواره الرئيسية شكري سرحان، وبرلنتي عبدالحميد وتوفيق الدقن ونادية السبع وحسن البارودي ورفيعة الشال وسعد أردش وعبد\العزيز أحمد وشفيق نور الدين وأحمد الجزيري. موضحا أن الفيلم يكتسب أهميته من أمرين مهمين أولهما أنه اتخذ من حارة حقيقية موجودة في الواقع مكانا لأحداثه، وثانيهما قدرته على السرد السينمائي اعتمادا على تفاصيل الحياة اليومية في إحدى الحارات الشعبية التي تعكس طابع هذه الحياة بعلاقاتها الفنية والمؤثرة. والفيلم يكشف عن رافد من روافد الثقافة الشعبية وتغلغلها داخل الوعي الجمعي، وعن ارتباط طموحاتهم الصغيرة في انتظار الفرج ربما مصباح علاء الدين أو طاقية الاخفاء أو ورقة يانصيب أو أن تمطر السماء على أحدهم بالذات ذهبا أو فضة.
وضرب فايد عددا كبيرا من الأمثلة لأفلام استلهمت المأثور الشعبي  فهناك "من اتخذ الحمام الشعبي" مكانا لأحداثه مثل فيلم "حمام الملاطيلي" للمخرج صلاح أبوسيف وبطولة شمس البارودي ومحمد العربي ويوسف شعبان، وفيلم "حارة برجوان" بطولة نبيلة عبيد والذي تدور أحداثه داخل مصبغة شعبية وما تعانيه العلاملات بها من اضطهاد وتحرش سواء من صاحب المصنع أو رئيس العمال. وفيلم "السقا مات" المهنة التي اندثرت أو كادت من معظم المدن الكبرى، والتي كانت منتشرة في حواري وأزقة مصر المحروسة إلى سنوات قريبة، حيث يوفر السقا مياه الشرب الصالحة لسكان هذه الأحياء الشعبية القديمة مقابل أجر. وربما اتخذ الفيلم الذي أخرجه رائد السينما الواقعية موضوعا. 
وهناك كذلك مهنة لاعبي السيرك في الفرق الخاصة التي تعمل في الموالد والأعياد حيث تطوف المحافظات المختلفة، وهؤلاء ظهروا في أكثر من فيلم لعل أفضلهم فيلم "السيرك" للمخرج عاطف سالم. أما فيلما "أجازة نصف السنة، وغرام في الكرنك" فقد اشتملت معظم مشاهدهما على رقصات شعبية وفولكورية مستوحاة من البيئة المحلية في محافظات مصر، سواء من حيث شكل الملابس أو ألوانها أو موسيقاها، بما يمثله من تباين وتميز ومنها رقصات "العصا، الفلاحة، عروسة المولد، الحصان.. إلخ".
ورأى فايد أن الأديب الكبير نجيب محفوظ تميز عن غيره من كتاب السينما بتوصيف وتوظيف معالم وملامح المأثور الشعبي في أحداث أفلامه سواء أكانت مكانا أو شخصية أو رمزا أو تاريخا، وربما يكون هو أكثر الكتاب والأدباء تمسكا بالمأثور الشعبي مغلفا به أعماله. 

غلاف الكتاب
غياب السير الأخرى عن الشاشة 

وعند تحليله لفيلم "زقاق المدق" قال "لم تكن رواية زقاق المدق مجرد رواية لحقبة تاريخية زمنية محددة بل كانت أشبه بتوثيق لمجتمع القاهرة الفاطمية من خلال شخوص ومكان وأحداث الرواية في تلك الحقبة الزمنية مما سها الأمر كثيرا على صناع الفيلم السينمائي. لقد لعب محفوظ في رواية زقاق المدق دور الإخباري الذي ينقل إلينا التراث الشعبي لمجتمعه، فيخبرنا عن عاداته وتقاليده ومعتقاداته وفنونه وثقافته المادية من عمارة وأزياء وفنون ووسائل النقل وغير ذلك. وهذا من خلال ذلك الزقاق الضيق الذي يطل على حارة الصنادقية التي تقع على يمين الداخل إلى شارع المعز لدين الله الفاطمي.
وعقب تحليله لفيلمي "حسن ونعيمة" و"أدهم الشرقاوي" باعتبارهما ملحمتين شعبيتين استلهمتا الكثير من المأثور الشعبي وكانا أكثر تعبيرا عن الموال الشهير كصورة سينمائية وتعبيرية؛ أوضح فايد أنه رغم تأثر السينما المصرية بالمأثور الشعبي منذ بداية هذا الفن "السينما" إلا أن مصر لم تنتج أفلاما عن السير الشعبية أو الأبطال الشعبيين بشكل مباشر سوى تسعة أفلام فقط، وذلك خلال الفترة من عام 1945 وحتى عام 1969 وهم على التوالي:ـ عنتر وعبلة بطولة كوكا وسراج منير وإخراج نيازي مصطفىـ ابن عنتر بطولة مديحة يسري وأحمد سالم وإخراج أحمد سالم ـ أبوزيد الهلالي بطولة فاتن حمامة وسراج منير وإخراج عز الدين ذو الفقار ـ الزناتي خليفة بطولة سهام رفقي وفؤاد جعفر وإخراج حسن حلمي ـ مغامرات عنتر وعبلة بطولة كوكا وسراج منير وزكي طليمات عن قصة نجيب محفوظ وحوار بيرم التونسي وسيناريو وإخراج صلاح أبوسيف ـ عنتر بن شداد بطولة كوكا وفريد شوقي وإخراج نيازي مصطفى ـ عنتر فارس الصحراء بطولة سميرة توفيق ومحمود سعيد وإخراج محمد سلمان ـ عنترة يغزو الصحراء بطولة مريم فخر الدين وفريد شوقي وكوكا وإخراج نيازي مصطفى ـ بنت عنتر بطولة سميرة توفيق وإخراج نيازي مصطفى.  
لفت فايد إلى أن أول ما نلاحظه على القائمة غياب السير الأخرى عن الشاشة رغم وفرتها وتنوعها، وثانيا إن هذا الاتجاه إلى السيرة العنترية والسيرة الهلالية يكشف عن إدراك بأنهما بالفعل هما السيرتان الحاضرتان في الأداء الشعبي في فترة إنتاج هذه الأفلام، وإن كان كم الأفلام المنتجة عن كل من السيرتين لا يعبر عن درجة حضور كل منهما بالنسبة للأخرى، فنحن نعرف من الملاحظة الميدانية أن السيرة الهلال أشبع في الأداء الحسي وأكثر تنوعا وغني في تجليها في صيغ وأشكال فنية شعبية من السيرة العنترية. ثالثا إن المعالجات السينمائية للسيرتين اعتمدت على النص المدون في طبعات شعبية دون النصوص الشفوية.