سارة حواس تكشف أسرار الكتابة كما يرويها كتَّاب العالم
تقول الدكتورة سارة حواس في مقدمة كتابها الجديد "أسرار الكتابة كما يرويها كتَّاب العالم": "... أنا مهجوسة بالكتابة، كفعل حبٍّ ونجاةٍ. أُحبُّ كل ما له علاقة بالكتابة، أسلوبًا ومنهجًا وطقوسًا وعادات، فأثناء قراءتي لأي عملٍ أدبيٍّ، لا أهتم فقط بالموضوعات والأحداث والأفكار، بل أهتم أيضًا بمراقبة تدفق كلمات الكاتب في نصِّه، وأُدوِّن بصمة روحه فيما يكتب، وأُتابع كيف صاغ أسلوبه وصُوره وأفكاره.
وهي لا تكتفي بتلك التفاصيل فقط، بل تُطالع ما وراء كواليس الكتابة، كيف بدأ الكاتب رحلة الكتابة، وما مصادر إلهامه، وكيف وأين يكتب، وما الصعوبات التي واجهته في بداية رحلته الإبداعية. كما تهتمُّ بتفاصيل العمل الأدبي نفسه. ومن هنا، بدأت فكرة ترجمتها لنصوصٍ تتناول "عملية الكتابة" لعدد من كبار كُتَّاب العالم. فأتت تلك الفكرة من فرط حبها وشغفها واهتمامها بعملية الكتابة ذاتها.
وتذكر حواس "في هذا الكتاب، تناولت عملية الكتابة، عند عدد من كبار الكُتَّاب العالميين المؤثِّرين في العالم العربي، فبعض منهم نال جائزة نوبل في الآداب، والبعض الآخر نال جائزة البوكر الإنكليزية، ومنهم من نال جوائز أخرى كثيرة. فكان معياري في الاختيار ليست الجوائز فقط، بل قوة تأثير هؤلاء الكاتبات والكُتَّاب على التكوين الثقافي للمتلقِّي العربي". كما "اهتممتُ أن أنوِّع في اختياراتي، فترجمت نصوصًا عن الكتابة لكاتبات وكُتَّاب من قارات أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية وأوروبا وأفريقيا وآسيا، لأقدِّم خلفيات ومدارس أدبية ثقافية واجتماعية متعددة للقارىء العربي تُثري معرفته وتحيطه بما يجري في عالم الكتابة بمختلف أنحاء العالم".
وتذكر الدكتورة سارة حواس الكاتبات والكُتَّاب العالميين الذين تناولتهم في هذا الكتاب، وهم "الروائي والكاتب الصحفي البريطاني چوليان بارنز، والروائية التشيلية إيزابيل الليندي، والروائية الأميركية توني موريسون، والروائي التركي أورهان باموق، والروائي والكاتب المسرحي والمترجم النمساوي بيتر هاندكه، وكاتبة القصة الكندية أليس مونرو، والروائية والناشطة السياسية الهندية أورنداتي روي، والروائية البريطانية دوريس ليسنج، والروائي والكاتب الصحفي والأكاديمي البيروفي ماريو فارجاس يوسا، والروائي والكاتب الصحفي جابرييل جارثيا ماركيز، والروائي الأميركي ويليام فوكنر، والروائي والكاتب الصحفي الأوروجواني إدواردو جاليانو، والروائية الفرنسية آني إرنو، والروائي والأكاديمي التنزاني عبدالرزاق قرنح، والروائي الأميركي بول أوستر، والروائي والشاعر والكاتب المسرحي والرسَّام الألماني جونتر جراس، والروائي والكاتب الصحفي البرتغالي جوزيه ساراماجو".
وفي ختام مقدمتها للكتاب تشير سارة حواس إلى أن "هناك كتبًا عديدة ومختلفة كتبت عن الكتابة، فمكتبتي مليئة بها، لكنني في هذا الكتاب، انتقيتُ نصوصًا من مصادر مختلفة، فكنت، على سبيل المثال، أختار فقرتين من حوار، وثلاثًا أخرى من شهادة للكاتب وأربع فقرات من مقال يتحدث فيه عن رحلته في الكتابة، وهكذا…..فخلقتُ كتابةً جديدة عن الكتابة، وجعلت النصوص تتحدث وحدها بعفوية من دون مجهودٍ كأنَّها من لحم ودم، كأنَّها وُلِدت وحدها هكذا من دون تدخُّل مني في التركيب والترتيب".
وترى أن "هذا الكتاب بمنزلة البداية لمشروع ترجمتي في 'عملية الكتابة'، فكما قدَّمت سلسلة كتب لترجمة الشعر الأميركي، أُقدِّم أيضًا سلسلة كتب لترجمة نصوص عن الكتابة لكبار الكاتبات والكُتَّاب في العالم".
وفي تقديمه للكتاب يقول الشاعر أحمد الشهاوي إن سارة حامد حوَّاس اعتادت أن تقدِّمَ جديدًا في كُلِّ كتابٍ تُنجزُه؛ فهي لا تُراكِم كُتبًا، ولا تبتغِي عددًا، لكنَّها تسعى دائمًا إلى أن تضيفَ مُختلفًا إلى نفسها أولًا، وللقرَّاء ثانيًا.
فإذا كان القارئ قد عرفها شاعرةً، ثم مُترجمةً بارزةً قدَّمت للقارىء مشرُوعًا مُهمًّا لترجمة الشِّعْر الأميركي الحديث والمعاصر، وصارت كل عام تضيفُ كتابًا إلى هذا المشرُوع اللافت في تاريخ ترجمة الشِّعْر من الإنكليزية إلى العربية؛ فهي اليوم تُقدِّم في كتابها الجديد - الذي اشتغلت عليه بإصرارٍ في البحث والاختيار – "أسرار الكتابة" عبر شهاداتٍ واعترافاتٍ وبياناتٍ لكُتَّاب أساسيين في العالم حازُوا أعلى الجوائز وأهمها، نعرفهم جميعًا وقرأنا لبعضِهم، ومِنَّا من قرأهم جميعًا، لكنَّها اليوم تختارُ موضُوعًا أثيرًا يهمُّ القارىء والكاتبَ معًا، كما أنه يُعدُّ مُرشدًا مُعِينًا وهاديًا مُنيرًا لا غِنى عنه في كيفيةِ الكتابة وطرائقها وطقوسها عند كلِّ كاتبةٍ أو كاتبٍ ممَّن اختارتهم الدكتورة سارة حوَّاس، التي تقدِّم خبراتها وتجاربَها في الكتابة والقراءة والترجمة لتختارَ وتترجمَ وتصنعَ لنا صورًا مكتملةً لحياة كلِّ كاتبٍ في الكتابة.
ومن يقرأ الكتابَ، سيلحظ الجهدَ الذي بذلتهُ صاحبتُه، ولن أقولَ مُترجمته فقط؛ لأنَّها خلقتْ كتابًا من مئات المصادر حول العالم في موضوعٍ واحدٍ هو "الكتابة"، بمعنى أننا لسنا أمام كتابٍ مُترجمٍ بل هو كتابٌ وضعته د.سارة حوَّاس، ليس له مثيل في مجاله من قبل.
ويذكر الشهاوي أن سارة حوَّاس سارت طويلًا في دُرُوب الكُتَّاب، وقطفت من أرواحهم ما يشبه الوصيَّة، أو الاعتراف، أو النداء المُستتر الذي لا يسمعُه إلَّا من يعرف أنَّ الكتابةَ ليست فعلًا، بل مصيرٌ يختارُنا قبل أن نختاره.
وسيجدُ القارئ نفسه أمام سبعة عشر كاتبًا وكاتبةً من جهاتِ الأرض، كلٌّ منهم يُضيءُ عتمتَهُ الخاصَّة، ويشرحُ طقوسه، وحنينه، وخوفه، وما يجعل القلم يرتجفُ في يده أو يستقرُّ مثل سكين تبحثُ عن جرحٍ لتفتحَه لترى الدَّم وتطمئن إليه.
ولعلّ هذا الكتاب، وهو يكشف طرائقَ الكُتَّاب في عمليةِ الكتابة، إنما يضع القارئ في قلب هذه اللحظة.. لحظة الارتباك الأولى التي تسبقُ السَّطر، ولحظة الانخطاف التي تلي اكتمال النص.
وحين وصلتُ إلى نهاية الكتاب، أدركتُ أنَّ القارئ لن يغلقه كما فتحه. سيخرج منه محمَّلًا بأسئلةٍ جديدةٍ، وربما بطمأنينةٍ غريبة، وربما بخوفٍ جميل.
إن كتاب الدكتورة سارة حامد حواس ليس مجرّد تجميع لشهادات، بل حوار كبير مع أسرار الكتابة وطرق الوصول إلى النص، ومع ما يتركه الكاتب وراءه.
وفي كلّ شهادةٍ من هذه الشهادات، سنجدُ خطوةً نحو فهمٍ أعمق، وربما نحو ضياعٍ أجمل، فالفهم في الكتابةِ ليس نهاية الطريق، بل بدايته.