سترة ذكية 'تعتصر' رطوبة الجو لتروي عطشك!

باحثون بجامعة تكساس يطورون نسيجا ذكيا يعتمد على هلامات مائية لامتصاص الرطوبة وتحويلها إلى مياه صالحة للشرب عبر نظام تكثيف حراري مبسط في ابتكار يفتح آفاقا واعدة لإنتاج مياه متنقلة في مجالات الإغاثة والمناطق الجافة.
جيل جديدا من الملابس الوظيفية القادرة على مواجهة الشح المائي
خيام تجمع المياه من الهواء وحقائب ظهر مزودة بوحدات حصاد للرطوبة في الطريق

واشنطن – فيما يواجه فيه العالم تصاعدا مستمرا في أزمة المياه وازديادا في موجات الجفاف المرتبطة بالتغير المناخي، أعلن باحثون في جامعة تكساس الأميركية عن تطوير تقنية جديدة تتيح استخراج مياه الشرب من رطوبة الهواء عبر نسيج ذكي يمكن دمجه في ملابس قابلة للارتداء، في خطوة وصفها مراقبون بأنها من أكثر الابتكارات إثارة للاهتمام في مجال تقنيات المياه خلال السنوات الأخيرة.

ورغم أن الاهتمام الإعلامي انصبّ في البداية على نموذج أولي لسترة قادرة على إنتاج الماء من الهواء، فإن الباحثين يؤكدون أن هذه السترة ليست سوى واجهة لتقنية أوسع نطاقاً، قد تجد مستقبلاً تطبيقات شديدة الأهمية في مجالات الإغاثة الإنسانية والعمليات العسكرية والاستكشافات الميدانية، فضلاً عن دعم المناطق التي تعاني ندرة حادة في الموارد المائية.

ويعود الفضل في تطوير هذه التكنولوجيا إلى فريق بحثي من جامعة تكساس في أوستن بقيادة البروفيسور غويهوا يو، المتخصص في هندسة المواد وتقنيات حصاد المياه من الغلاف الجوي، حيث يعمل الفريق منذ سنوات على إيجاد وسائل منخفضة التكلفة لاستخراج المياه من الهواء المحيط، مستفيداً من مواد حيوية متوافرة بكثرة يمكن إنتاجها بكلفة محدودة وعلى نطاق واسع.

وتستند التقنية الجديدة إلى ألياف نسيجية مبتكرة تحتوي على هلامات مائية متقدمة قادرة على التقاط جزيئات بخار الماء المنتشرة في الهواء، وعندما ترتفع نسبة الرطوبة في البيئة المحيطة، تمتص الألياف هذه الجزيئات وتخزنها داخل بنيتها الداخلية، قبل أن تنقلها عبر شبكة دقيقة من المسارات المدمجة داخل النسيج نحو وحدات تجميع خاصة.

ويوضح الباحثون أن التحدي الأكبر لم يكن في امتصاص الرطوبة بحد ذاته، إذ توجد مواد عديدة قادرة على القيام بهذه المهمة، بل في إيجاد وسيلة فعالة لنقل المياه داخل النسيج ومنع ضياعها أثناء العملية، ويعتبر الفريق هذا الإنجاز العنصر الأكثر أهمية في المشروع، إذ نجح في معالجة إحدى أبرز نقاط الضعف التي حدّت من فعالية الأجيال السابقة من تقنيات جمع المياه من الهواء.

وبعد امتلاء وحدات التجميع بالمياه الممتصة، يمكن فصلها عن السترة ووضعها داخل جهاز صغير قابل للطي، حيث تؤدي حرارة منخفضة ناتجة عن أشعة الشمس أو مصدر حراري بسيط إلى تحرير المياه المخزنة وتحويلها إلى بخار، قبل تكثيفها وجمعها في صورة مياه صالحة للشرب، ولهذا السبب يوضح الباحثون أن السترة لا تنتج الماء بصورة فورية أثناء ارتدائها، كما قد توحي بعض التقارير الإعلامية، بل تعمل كجزء من نظام متكامل لجمع الرطوبة واستخراج المياه لاحقاً.

وقد أظهرت التجارب التي أجراها الفريق أن النظام قادر على إنتاج ما بين 400 و900 مليلتر من المياه يومياً بحسب مستوى الرطوبة ودرجة الحرارة والظروف المناخية المحيطة، وفي البيئات الأكثر ملاءمة يمكن أن تقترب الكمية المنتجة من لتر واحد يومياً، وهو ما يكفي لتغطية جزء مهم من الاحتياجات اليومية لشخص بالغ.

كما اختبر الباحثون نسخة أخرى أكبر حجماً تعتمد التقنية نفسها، وتمكنت من إنتاج نحو 1.3 لتر من المياه يومياً خلال تجارب ميدانية أجريت في صحراء تشيهواهوان الممتدة بين الولايات المتحدة والمكسيك، وفي مناطق مختلفة من ولاية تكساس، ويرى الباحثون أن النتائج المسجلة في البيئات الصحراوية تحمل أهمية خاصة، لأن معظم تقنيات حصاد المياه من الهواء تعتمد عادة على مستويات مرتفعة من الرطوبة لتحقيق أداء جيد، أما التقنية الجديدة فقد صُممت للعمل في ظروف أكثر صعوبة، وإن كانت كفاءتها تظل مرتبطة بدرجة الرطوبة المتوافرة في الجو.

وفي سياق متصل، يؤكد الفريق أن المواد المستخدمة في تصنيع الألياف يمكن إنتاجها من مصادر حيوية متنوعة تشمل المخلفات النباتية وبقايا الأغذية وقشور المأكولات البحرية وأنواعا مختلفة من الكتلة الحيوية.

ويهدف هذا التوجه إلى خفض كلفة الإنتاج وتقليل الاعتماد على المواد الصناعية مرتفعة الثمن، بما يسمح مستقبلاً بتوسيع نطاق الاستخدام التجاري والإنساني للتقنية.

وشبّهت بعض التقارير السترة ببدلة "ستيلسوت" الشهيرة في رواية وفيلم الخيال العلمي "Dune"، والتي تسمح لسكان الكوكب الصحراوي بالحفاظ على المياه والبقاء على قيد الحياة في بيئة قاسية، غير أن الباحثين يشددون على أن تقنيتهم تعتمد على استخراج الرطوبة من الهواء المحيط، وليس على إعادة تدوير سوائل الجسم كما في العمل الخيالي.

كما لفت الابتكار اهتمام خبراء يعملون في مجالات الاستجابة للكوارث والإغاثة الإنسانية، إذ يمكن أن يوفر مصدرا متنقلاً للمياه في المناطق التي دمرت فيها البنية التحتية أو يصعب فيها إيصال الإمدادات المائية التقليدية.

وتشمل الاستخدامات المحتملة التي يدرسها الفريق البحثي حاليا تطوير خيام قادرة على جمع المياه من الهواء، وحقائب ظهر مزودة بوحدات حصاد للرطوبة، وملاجئ طوارئ تنتج جزءاً من احتياجاتها المائية ذاتيا، إضافة إلى تجهيزات مخصصة للجنود والعاملين في المناطق النائية والمتنزهين والمستكشفين.

ورغم الحماسة التي رافقت الإعلان عن المشروع، يشير عدد من الخبراء إلى أن التقنية لا تزال في مرحلة التطوير، وأن الكميات المنتجة تبقى محدودة مقارنة بالاحتياجات اليومية الكاملة للإنسان، خصوصاً في البيئات شديدة الجفاف، كما أن عملية استخراج المياه تتطلب مرحلة إضافية من التسخين والتكثيف، ما يعني أن المستخدم لن يحصل على الماء بصورة مباشرة وفورية.

ومع ذلك، يرى كثير من الباحثين أن الأهمية الحقيقية للابتكار تكمن في فتح باب جديد أمام مفهوم "المنسوجات الوظيفية"، أي الأقمشة القادرة على أداء مهام تتجاوز دورها التقليدي في الحماية والكساء لتتحول إلى أدوات إنتاج للطاقة أو المياه أو غيرها من الموارد الأساسية.

وفي وقت تشير فيه تقديرات الأمم المتحدة إلى أن مليارات الأشخاص قد يواجهون ضغوطا متزايدة على الموارد المائية خلال العقود المقبلة، يأمل مطورو التقنية أن تمثل هذه الأبحاث خطوة أولى نحو جيل جديد من الحلول المحمولة التي تسمح بالحصول على المياه مباشرة من الغلاف الجوي، حتى في الأماكن التي تبدو فيها الموارد الطبيعية شحيحة أو معدومة.