سطوة الميليشيات تعيد طرابلس إلى مربع العنف
طرابلس - شهدت منطقة جنزور، الواقعة غرب طرابلس، اضطرابًا أمنيًا بعد اندلاع اشتباكات مسلحة بين مجموعتين في محيط سوق الخضروات على الطريق الساحلي ليلة الخميس إلى الجمعة، قبل أن تعود الأوضاع تدريجيًا إلى الهدوء، بحسب سكان ومصادر أمنية حيث تشير مثل هذه الحوادث للتهديدات التي تمثلها المجموعات المسلحة على استقرار الدولة الليبية وعلى أمن المواطن الليبي.
وأكد شهود أن تبادل إطلاق النار الذي شمل استخدام أسلحة خفيفة ومتوسطة، أثار حالة من الرعب بين الأهالي، ودفع العديد من التجار إلى إغلاق محالهم. ولم تصدر الجهات الرسمية على الفور أي بيان يحدد أعداد الضحايا أو الإصابات.
وأفادت مصادر أمنية لموقع "بوابة الوسط" بأن قوة تابعة لـ"جهاز مكافحة التهديدات الأمنية" تدخلت في وقت لاحق لوقف المواجهة، حيث نشرت عناصرها بين الأطراف المتصارعة، مما ساهم في احتواء الوضع ووقف إطلاق النار.
وفي الوقت نفسه، انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي مقاطع وصور تظهر أضرارًا لحقت بسيارات وممتلكات خاصة، كما وثّقت وجود مواطنين محاصرين داخل محطات الوقود أثناء فترة الاشتباكات.
وتشهد ليبيا، منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011، حالة من التفكك المؤسسي والأمني جعلت الدولة عاجزة عن بسط سيطرتها على كامل أراضيها، وهو ما أتاح لعدد من الجماعات المسلحة أن تتوسع وتترسخ في غرب البلاد. هذه الميليشيات لم تكتفِ بممارسة القوة الميدانية فحسب، بل باتت تمارس أدوارًا شبيهة بالدولة في مناطق نفوذها، سواء عبر فرض الأمن أو السيطرة على المرافق الحيوية والطرق والموانئ. ومع الوقت، تحولت بعض هذه التشكيلات إلى فاعل سياسي واقتصادي قوي، ما زاد من تعقيد المشهد وعمّق الانقسام بين الغرب والشرق.
وفي الغرب تحديدًا، تتنافس مجموعات مسلحة متعددة على النفوذ، من بينها كتائب ترتبط بالعاصمة طرابلس ومصراتة، إضافة إلى تشكيلات مرتبطة بجهاز دعم الاستقرار. الصراع بينها وصل الى حد تنفيذ عمليات اغتيال متبادلة وهو ليس مجرد نزاع على الأرض، بل هو صراع على الموارد والربح: السيطرة على طرق التهريب، المكاسب المالية من الموانئ، والتحكم في نقاط عبور المواد والسلع. ويُسهم هذا التنافس في تزايد الاغتيالات وتصفية القادة، وهو ما يعيد تشكيل التحالفات ويُدخل المشهد في دورة دائمة من التوتر والتفكك.
ولا يقتصر الأمر على خلافات داخلية؛ بل تتداخل هذه الميليشيات مع بنى سياسية قائمة، إذ تُستخدم أحيانًا كأداة ضغط لدعم توجهات سياسية أو تعزيز مواقع فاعلين محليين. هذا التداخل يُضعف أي محاولة لتقوية الدولة، لأن من يملك السلاح والقدرة على التحكم بالمناطق الحيوية يمتلك أيضًا القدرة على تعطيل أي مشروع إصلاحي أو مؤسسي. وباتت العديد من المؤسسات الأمنية في الغرب غير قادرة على ممارسة دورها بفعالية، إذ لا توجد قيادة موحدة للجيش أو الشرطة، ما يجعل الدولة تبدو ككيان هش أمام شبكة من القوى غير الرسمية.
وتتفاقم المشكلة أيضًا بسبب ارتباط هذا الصراع بالانقسام السياسي العام في ليبيا، الذي يضع الغرب في مواجهة مستمرة مع الشرق. كل محاولة لتوحيد المؤسسات أو إجراء انتخابات تتعرض لهزات متكررة، لأن واقع القوة على الأرض لا يسمح بتنفيذ قرارات مركزية بدون توافقات مع قوى مسلحة. وفي ظل هذا الواقع، يظل السؤال الأكبر حول قدرة ليبيا على الخروج من دوامة الصراعات، خاصة مع وجود تدخلات خارجية ووجود مرتزقة يضيفون طبقة جديدة من التعقيد.
ويرى مراقبون أن النتيجة المباشرة لهذا الوضع هي تراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية، وتزايد الفوضى الأمنية، وتراجع ثقة المواطنين في العملية السياسية. وفي غياب سلطة مركزية قوية، تستمر الميليشيات في تثبيت نفوذها، بينما يبقى حلم توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات حرة وشفافة بعيدًا عن التطبيق على الأرض.