سقوط حكومة بايرو يعيد فرنسا إلى مربع الأزمة السياسية

ماكرون يجد نفسه محاصرا بين يمين متطرف يتصاعد نفوذه على مر السنوات والانتخابات، ويسار راديكالي يزداد تشددا وعداء.

باريس – حجب النواب الفرنسيون اليوم الاثنين الثقة عن حكومة فرنسوا بايرو بعد تسعة أشهر فقط على توليه منصبه، بعد تصويت في الجمعية الوطنية دعا إليه رئيس الوزراء وخسره بفارق كبير، في تطور يعيد فرنسا إلى مربع الأزمة السياسية.

وصوّت 364 نائبا لصالح حجب الثقة، بينما أبدى 194 فقط تأييدهم لبايرو. وقالت رئيسة الجمعية يائيل برون - بيفيه "بناء على المادة 50 من الدستور، على رئيس الوزراء تقديم استقالة حكومته".

وأفاد مصدر حكومي مقرب من بايرو وكالة فرانس برس، بأن رئيس الوزراء سيقدم استقالته الى الرئيس إيمانويل ماكرون صباح الثلاثاء.

ويتعين على الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي يواجه دعوات من المعارضة لحل البرلمان والاستقالة، البحث عن خامس رئيس وزراء في أقل من عامين. وقال مكتب الرئيس إنه سيعين رئيسا للحكومة في الأيام القليلة المقبلة.

وستكون أكثر المهام إلحاحا للحكومة المقبلة هي إقرار الميزانية، وهو التحدي ذاته الذي واجهه بايرو عندما تولى منصبه. وسيكون نيل دعم برلمان منقسم للغاية أمرا صعبا بالقدر نفسه.

وقال بايرو للمشرعين قبل أن يخسر التصويت على الثقة "لديكم القدرة على إسقاط الحكومة، لكن ليس لديكم القدرة على طمس الواقع. سيظل الواقع قاسيا... النفقات ستواصل الارتفاع وعبء الدين، الذي هو كبير جدا بالفعل، سيزداد ثِقلاً وكلفة".

وكان بايرو قد دعا إلى التصويت على الثقة في محاولة لكسب الدعم البرلماني لاستراتيجيته الرامية إلى خفض العجز الذي يبلغ مثلي السقف الذي حدده الاتحاد الأوروبي والبالغ ثلاثة بالمئة تقريبا، والبدء في معالجة أزمة ديون تعادل 114 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

لكن أحزاب المعارضة لم تكن مستعدة لدعم خططه الرامية لتوفير 44 مليار يورو (51.51 مليار دولار) في ميزانية العام المقبل، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في 2027.

وقالت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان "هذه اللحظة تمثل نهاية المصاعب التي تسببت فيها الحكومة الوهمية"، وذلك بعدما ضغطت لوبان من أجل إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، وهو ما يستبعده ماكرون حتى الآن.

وقال جان لوك ميلينشون زعيم حزب فرنسا الأبية اليساري المتطرف في منشور على إكس "ماكرون الآن على خط المواجهة مع الشعب. هو أيضا يجب أن يرحل".

من التالي؟

ويمكن لماكرون الآن أن يرشح سياسيا من الأقلية الوسطية الحاكمة التي ينتمي إليها أو من المحافظين ليكون رئيس الوزراء المقبل، لكن ذلك سيعني المضي قدما في الاستراتيجية التي فشلت في تحقيق تحالف مستقر. ويمكنه أن يتجه إلى اليسار ويرشح اشتراكيا معتدلا، أو أن يختار أحد الخبراء (التكنوقراط).

ولن يؤدي أي سيناريو إلى منح الحكومة المقبلة أغلبية برلمانية. وقال وزير المالية إريك لومبارد قبل التصويت إن الحاجة إلى تشكيل حكومة جديدة ستؤدي حتما إلى تخفيف خطة خفض العجز.

وقد يرى ماكرون في نهاية المطاف أن السبيل الوحيد للخروج من الأزمة هو الدعوة إلى انتخابات مبكرة، لكنه يقاوم حتى الآن دعوات حزب التجمع الوطني بزعامة لوبان وحزب فرنسا الأبية لحل البرلمان مرة ثانية.

ويراقب نظراء باريس في الاتحاد الأوروبي التطورات عن كثب. ففرنسا هي صاحبة أعلى نسبة عجز كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو وهو التكتل الذي يستخدم العملة الموحدة للاتحاد الأوروبي.

وتدفع فرنسا لخدمة ديونها أكثر مما تدفعه إسبانيا، كما أن فروق الأسعار مقابل السندات الألمانية القياسية لأجل 10 سنوات وصلت إلى أعلى مستوى لها في أربعة أشهر.

وراجعت وكالة فيتش تصنيفها لفرنسا إلى AA - مع نظرة مستقبلية سلبية في 12 سبتمبر أيلول. وستتبعها وكالتا موديز وستاندرد اند بورز جلوبال في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني.

ومن شأن تخفيض التصنيف أن يعيق قدرة فرنسا على جمع الأموال بأسعار فائدة منخفضة من المستثمرين، مما قد يعمق مشكلات ديونها.

وقد تؤدي فترة طويلة من عدم اليقين السياسي والمالي إلى خطر تقويض نفوذ ماكرون في أوروبا في وقت تتحدث فيه الولايات المتحدة بصرامة بشأن التجارة والأمن، مع احتدام الحرب في أوكرانيا.

وقد عرض الاشتراكيون ميزانية مضادة من شأنها أن تفرض ضريبة اثنين بالمئة على الأقل على الثروة الشخصية التي تزيد عن 100 مليون يورو وتحقق وفورات 22 مليار يورو، وهو اقتراح سيكون من الصعب أن يتماشى مع جدول أعمال الإصلاحات المؤيدة لقطاع الأعمال في رئاسة ماكرون.

وقد يزداد الاستياء أيضا في الشارع. وتدعو حركة احتجاج شعبية تسمى "لنمنع كل شيء" إلى تعطيل كل شيء في جميع أنحاء البلاد يوم الأربعاء. وتخطط النقابات العمالية للإضراب عن العمل في الأسبوع الذي يليه.

ولا يعتقد محمد (80 عاما) متحدثا في باريس بأن السياسيين سيجدون مخرجا، شأنه شأن الكثيرين في فرنسا، مضيفا "عد 10 أيام وسترى أنه لن يتغير شيء. لن تكون هناك أغلبية، ولن تكون هناك ميزانية".