سيرج بي يقدم المثل الأعلى لخارطة العالم

الكتاب يحتوي على نص الحوار مع الشاعر الإسباني أجراه معه روميرو أوفيديو في عام 1999 وصدر به الشاعر فيما بعد أربعة من أعماله.


تجولْ حول العالم، شاهد أشياءَ كثيرة، ثم عد واحكِ لنا كل شيء


كي نحرر الأحياء علينا أن نعرف كيف نحرر الأموات أيضاً

ولد الشاعر سيرج بي في يوليو/تموز عام 1950 في مدينة تولوز الفرنسية، من أبوين إسبانيين كانا قد لجآ إلى هذه المدينة المتاخمة لإسبانيا عقب انتصار النظام الفاشي بقيادة فرانكو على معارضيه اليساريين الذي كان والده في تعدادهم. 
في عام 1975 أصدر ديوانه الأول الذي حمل عنوان "أنا - هم" لتتوالى أعماله الشعرية ومنها على سبيل المثال "عن المدينة والنهر"، "نبوءات"، "منع التجوال"، "تعريف النسر"، "قصيدة من أجل شعب ميت"، "نوتردامنا السوداء أو إنجيل الثعبان"، "نيريكا أو ذكريات الشمس الخامسة" "أم الدائرة"، "اليد والسكين"، "الطفل عالِم الآثار 1997"، وأخيرا "كي نحرر الأحياء علينا أن نعرف كيف نحرر الأموات أيضاً..".
وهذا الكتاب "المثل الأعلى لخارطة العالم.. منتخبات شعرية" الذي ترجمه محمد أحمد عثمان، والصادر عن مؤسسة أروقة للنشر يحتوي على نص الحوار مع سيرج بــي أجراه معه روميرو أوفيديو في عام 1999 وصدر به الشاعر فيما بعد، في عام 2000، أربعة من أعماله المنشورة بين دفتي كتاب واحد (صادر عن دار بولينير). وهذه الأعمال هي "حدادو السكاكين" و"الكوبلا اللانهائية من أجل الرجال - أثوار يوم الأحد" و"جيتار الخشخاش" وأخيراً "ديالكتيك الفرجار". 
وبالطبع يهدي الشاعر الكتاب إلى ذكرى راقصة الفلامنكو الشهيرة كارمن جوميز التي عرفت بـ "لاجوزيليتو" وهو اللقب الذي كانت قد تلقته في طفولتها من مصارع الثيران الشهير جوميز لو جوزيليتو في قصة لا تخلو من دلالة يوضحها الشاعر في حواره.  
 ويلى الحوار ترجمة لثلاثة من نصوصه الشعرية في مقدمتها نص قصيدته/ الخطاب الموجه إلى "شاعره الأول بين الأحياء" السنيور جوزيه مارتان أليزوندو. وهي القصيدة التي تتصدر بدورها ديوانه "حدادو السكاكين". وختتم الكتاب بالنص التكريمي الذي كتبه عنه شاعر آخر هو جيل برسنيترز. 
ربط الشعر بمنابعه الأولية
ولفت المترجم إلى أن اسم الشاعر ارتبط بفضاءات أدبية وفنية تفاعلية كان له إسهام في تأسيسها، وذلك من قبيل مجلة "ايموت" التي أسسها في عام 1975، ثم مجلة "تريبو" في عام 1980. كما سيؤسس مع عدد من أصدقائه جماعة فنية حملت الاسم "أفيلادوريس" الذي يعني في الإسبانية "حدادو السكاكين". 
هنالك أيضاً مهرجان الشعر المباشر الذي يقام بالشراكة بين المكسيك ومدينته تولوز الذي يدين بتأسيسه للشاعر حصرياً. كما سيرتبط اسم الشاعر بندائه في يونيو/حزيران 1996، بينما كان مدعواً في مهرجان دوكيمونتا في كاسل، إلى إقامة سوق عالمية للشعر. 
وعودة إلى شعره، يتمتع شعر سيرج بي بنكهة خاصة في إطار الشعرية الفرنسية المعاصرة يستمدها من نزوعه العميق إلى إعادة ربط الشعر بمنابعه الأولية كما تتجلى لدى الشعراء الجوالين (الترابادور) في القرون الوسطى الذين اتسمت لحظة الخلق الشعري لديهم بالارتجال الشفهي. إذ يقوم الشاعر بارتجال قصائده شفهياً. وأكثر من ذلك فإنه يصاحبها بإيقاعات من أقدامه أو بآلات نغمية يصنعها أحيانا مما هو متاح، من قبيل آلة جلخ السكاكين أو الكاجون أو آلة الرومب التي صنعها، كما سيجيء في الحوار، من أسلاك كهربائية. إلى ذلك، يعد الشاعر خالق مقامات، فهو "يقوم بتدوين قصائده على العصي والطماطم مضفياً عليها بذلك مقامات طقوسية". 
وفي الممارستين يتماشى الشاعر مع مفهومه الخاص لـ "شعر الحركة" بوصفه تعبيراً يشارك فيه الجسد الروح والشفهية الكتابية بما يتضمنه ذلك من تراسل للحواس عبَّر عنه الشاعر في قوله "الفم أذن ترى".
المجنون بالعرب
في حواره وردا على تساؤل "في أحد إهداءاته ينعتك رافائيل ألبيرتي بـ "المجنون بالعرب". فمع ألبيرتي استدعيت اغناثيو سانث ميجيا وجارسيا لوركا فماذا كان مؤدى هذه الحوارات؟" 
قال سيرج بي "مع ألبيرتي افتتحت المهرجان الأول للشعر. لقد كنت أنا من أطلق الشعار "مارسوا الشعر، نفذوا الشعر". لقد قرأت معه، يرافقني فيسنت برادال، ديوان "الملائكة" الذي كنت قد سبقت به التظاهرة العالمية للشعر المباشر. 
أمدني رافائيل ألبيرتي بالكثير من المعلومات حول اغناثيو سانث ميجيا، هذا الأديب الذي كان صديقا للوركا وجماعة صغيرة كان يتردد عليها. حكى لي ألبيرتي كيف كان هو نفسه حامل راية مصارعة الثيران. استعاد ألبيرتي زمن شبابه الشعري أمام الشاعر الشاب الذي كنته آنذاك، بائحاً بأسطورة تقول إن لوركا صلب بين صاريتي علم مثل مسيح ملحد. كثيراً ما حكى لي عن الدعوة التي تلقاها من لوركا لزيارة غرناطة بيد أنه لم يستطع أبداً أن يلبيها. وأيضاً عن مقتل الشاعر على يد الفاشيست. أتذكر ألم ألبيرتي عندما تذكَّر ذلك الزمن، متحسراً لأنه لم يلقِ أية نظرة على لوركا وهو داخل حديقته.
وأضاف سيرج بي "بعد عدة سنوات، عندما زرت منزل لوركا قمت بشيئين: جلست على أرجوحته المنتصبة  في حديقته كي أرى العالم كما رآه، كما نظرت في مرآته حيث رحت التمس ثقب عينيه إلى جانب اللوحة التي رسمتها أخت دالي. ألبيرتي شاعر ذائع. ولقد ظل التزامه المعاصر في سبيل أن تتمكن الإنسانية من الانتقال إلى مستقبل أفضل، ظل هذا الالتزام دائماً، إلى اليوم، دونما صدع. 
أنا طفل الشعر الاسباني عموما والأميركي اللاتيني. موديلاتي الشعرية، إلى جانب البحث المستمر عن المجهول في الإنسان الذي يخلق الإنسان، زوجتها في منازل هؤلاء الذين أعادوا إلى كلامهم لغة شعبهم. شعري ليس شعراً غير متجسد. بل إن على قصيدتي أن تجعل من نفسها رجلاً وامرأة لكي تصير قصيدة حقيقية. مع أن شعري قد قُطِع من قبل الشاعر الجوال، إلا أن ذلك لم يحرمه من المضمر والمبهم الخاصين بالتقليد البروفينسالي للشعراء الجوالين والالتواءت الهرطقية الخاصة بالبحث عن الإنسان داخل الكائن". 
نص جيل برسنيتزر 
ما يبقى من قصيدة: لطخة حمراء على جبين اللغة بعواصف، بجلاجل دونما صوت، بهراوات ملقاة على الأرض لجعلها تتمخض في النهاية عما تعرف، يتقدم سيرج بي تحت قبعته، بكلمات نارية تتوهج مثل شرارات على رأسه.
شفاهية، شفاهية، ليس العالم سوى كلمات مطمورة في الغالب، بينما يصرخ صوت من بين الركام لإرجاعها إلينا. كان موسى يقلِّب عكازاته ثعابيناً كي يخيف الفراعنة، أما سيرج بي فيحول تنانينه الى عكازات لكي يحررنا.
"تجول حول العالم، شاهد أشياءَ كثيرة، ثم عد واحكِ لنا كل شيء" هكذا توصي تعاليم الهنود المبدعين، لذا فقد نهض سيرج بي وراح يركض حول العالم، يجتاز المظاهر، يرافق السحرة وأسرار ألبيتول. أحيانا في وسط الشارع، في جوف أفواه ظلال الطبيعة، في القبو/ الشعر، يفتح خزانة القراصنة ويسمح لنا بأن نتزاوج مع كلماته.
في الحافلة، أتذكر أن رجلا نهض من مكانه واقفا أمام عابري تعب العمل والحياة، وبصوته الرنان والأجش، صرخ "أومبالوت، أومبالوت". وأومبالوت هو اسم الحي في تولوز الذي جاء منه الشاعر، فابتسمت الحافلة كاشفة عن طقم أسنانها اليومي. أخيراً كان بوسع الرحلة أن تبدأ فعلا.
نموذج من المنتخبات
أحيانا تسقط الأبدية
قبل الأوان
على العالم وتصنع لنفسها منديلاً
من ستائر النوافذ
لذا فإننا نضيء المصابيح
في عز الظهيرة
نطلق الكلاب على الأموات السيئين
يمنح الضوء للظل
 شفاه على القناني
كما لو أن كل شيء كان بحاجة لفم
كي يتكلم..
***
نتعانق من دون أن نرى
 أنفسنا
نقطع السكين بالخبز
نملأ إلى الحافة 
الحساء بالأواني
الذباب يحوك الليل ويفكه 
بحركة واحدة
وينذر كل شيء
سرباَ تلو سرب..
***
على الطاولة
العصفور الذي توحي به 
الوردة
ينظر الى هؤلاء
الذين ظلوا جالسين
وصاروا وروداً
عَلمونا الضيافة
فدعونا أيضاً الكراسي
إلى الأكل.