شادية قيثارة مصر وأمثولة الرومانسية

الفنانة المصرية الراحلة تترك بصمة خالدة في الغناء والسينما والمسرح والإذاعة، وتجسّد بصوتها العذب وأعمالها المتنوعة نبض الوطن حتى اعتزالها ووفاتها.
صلاح عبدالستار محمد الشهاوي
طنطا

كانت الفنانة الكبيرة شادية صوتا لمصر وللعالم العربي، ودافعت عن قضاياهما بصوتها فقدمت أغنيات لا تزال بيننا حية بكلماتها وألحانها، منها أغنية: يا أم الصابرين، ويا حبيبتي يا مصر، عبرنا الهزيمة، مصر اليوم في عيد، ادخلوها آمنين. وأغنية انتفاضة التي قدمتها للشعب العراقي، وأغنية فوق ارض النيل التي قدمتها لشعب السودان. ولا ننسي صوتها في أغنيتها الدينية: خد بأيدي في حفل الليلة المحمدية عام 1986م والتي كانت آخر ما غنت. والتي داعبت فيها أرواح كل المصريين لتعلن بعدها اعتزال الفن.

تم تكريم الفنانة  شادية في مصر والعالم العربي، كان آخرها إطلاق اسمها علي دورة مهرجان القاهرة السينمائي 2017م. 

ولدت الفنانه شادية لأب يهوى العزف على العود ويحب الغناء، ما شجعها على العمل في الفن.

عرفها الجمهور للمرة الأولى في دور ثانوي في فيلم: أزهار وأشواك عام 1947م قبل أن تشارك في العام نفسه في فيلم العقل في إجازة مع المطرب محمد فوزي وكان من إخراج حلمي رفلة وسرعان ما توهج نجمها في سماء الفن وتوالت أفلامها التي حظيت بإقبال جماهيري مثل: الروح والجسد، الزوجة السابعة، صاحبة الملاليم، وبنات حواء. والفنانة شادية صاحبة الوجه البشوش والابتسامة التي تحمل طعما من ندى. قد حققت إيرادات عالية للمنتجين ومن بينهم الراحل أنور وجدي في أفلام مثل: ليلة العيد، ليلة الحنة. لتكون نجمة الشباك الأولى لأكثر من ربع قرن كما عرفت الطريق المسلسلات الإذاعية التي حظيت باستماع الملايين مثل: صابرين، نحن لا نزرع الشوك وسنة أولى حب،جفت الدموع. وكانت الفنانة شاديه في بداية حياتها تمثل أطياف الرومانسية كظاهرة أدبية وفنية أثرت بعمق في ثقافة الجماعة الوطنية المصرية وألوان الحياة بأرض الكنانة فالأفلام التي قدمتها شادية كانت دوما تتناغم مع الذائقة المصرية كما يتبدى في أفلام: حمامة السلام، الروح والجسد، عدل السماء، ساعة لقلبك، وفيلم: بائعة الخبز مع الفنانة الكبيرة أمينة رزق والفنانة ماجدة وشكري سرحان وزكي رستم.

وفي ثنائياتها السينمائية الشهيرة قدمت الفنانة شاديه مع النجم الراحل عماد حمدي أفلام مثل: أقوى من الحب، ليلة من عمري، اشكي لمين، ارحم حبي. ناهيك عن فيلم: المرأة المجهولة. الذي عرض في نهاية خمسينيات القرن العشرين. وشكلت شادية ثنائيا في السينما المصرية مع الفنان الراحل صلاح ذو الفقار في أفلام: أغلى من حياتي، كرامة زوجتي الذي قام على قصة للكاتب الصحفي والأديب الراحل إحسان عبدالقدوس. وأفلام كوميدية مثل: مراتي مدير عام، عفريت مراتي الذي أخرجه فطين عبدالوهاب عام 1968م. 

كما كانت شادية على موعد مع إبداعات نجيب محفوظ في الرواية لتقدمها على الشاشة الكبيرة في أفلام تشكل علامات خالدة في تاريخ السينما العربية مثل: اللص والكلاب، زقاق المدق،الطريق، ميرامار. وقد وصفها نجيب محفوظ  بأنها تمثل فتاة الأحلام لأي شاب.

وشادية بطلة أفلام: الهاربة، التلميذة، ألف ليلة وليلة، الشك يا حبيبي، لا تسألني من أنا. كما قدمت أيضا للأديب ثروت أباظة فيلم: شيء من الخوف عن روايته الشهيرة. كما قدمت من إبداعات يوسف السباعي فيلم: نحن لا نزرع الشوك. ومازالت مشاهد شادية في أفلامها مع عماد حمدي وكمال الشناوي وصلاح ذو الفقار وعبدالحليم حافظ الذي قاسمته بطولة أفلامه: لحن الوفاء، دليله، معبودة الجماهير تشكل زادا وجدانيا لأصحاب الذائقة الرومانسية وعلامة سينمائية على عصر بأكمله.

وإذا كان الفنان الراحل والقدير عبدالوارث عسر قد وصفها بـ: شادية الكلمات. فإن هذه الفنانة الكبيرة بإبداعاتها ما بين الغناء- أغانيها التي تقترب من الـ600 أغنية- والسينما - 112 فيلماً – والإذاعة- 10 مسلسلات إذاعية- والمسرح الذي يزهو بمسرحيتها الشهيرة ريا وسكينة، تعد فنانة شاملة بامتياز في تاريخ الفن العربي.

وكان أخر أفلام شاديه فيلم وادي الذكريات والتي ودعت به العمل الفني في عامها الخمسين قبل أن تعتزل الفن لمدة 36 عاما- لتزهد الدنيا وتتخفف منها ولتتفرغ للأعمال الخيرية ولتشارك الدكتور مصطفي محمود والشيخ الشعراوي في هذه الأعمال-  وتجنبت الحياة الإعلامية بأضوائها وبريقها وهي في ذروة مجدها وتألقها كفنانة بقت وستبقى دوما حاضرة في قلوب وعقول الجماهير والذاكرة الثقافية والفنية باعتبارها أمثولة الرومانسية التي تمشي على قدمين.

عاصرت شادية فرسان الطرب: أم كلثوم وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة ووردة الجزائرية مع ملحنين من طراز محمد عبدالوهاب وكمال الطويل ومحمود الشريف وبليغ حمدي وسيد مكاوي ومحمد الموجي ومحمد سلطان ومنير مراد لتكون كل أغنية جديدة لهؤلاء العمالقة بمثابة عيد للفن في العالم العربي، فشكلت أغانيها جزءا عزيزا من مشاعر أجيال بما يحمله صوتها من بهجة، حضور فمثلت صورة عذبة للجمال علقت في ذاكرة الملايين في جميع بلاد العرب وهي أيضا الفنانة التي تبلسم آلام الناس بأغانيها وأفلامها لتكون بحق أمثولة للرومانسية المصرية أسهمت بإبداعها في صنع زمن جميل لا يبارح القلب. 

ومن أغانيها التي حملت راية الرومانسية وخفة الظل وبهجة الروح في الغناء العربي: يا دبلة الخطوبة، مكسوفة، شباكنا ستايره حرير، وعالى، خلاص مسافر.

وفي مساء الثلاثاء 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2017م توفيت الفنانة المصرية فاطمة أحمد كمال شاكر (شادية) المولودة في الثامن من فبراير/شباط عام 1934م عن 86 عاماً بعد أزمة صحية نقلت إثرها إلى المستشفى.