شكر إيران… شكر العبد لسيّده

ليس الذنب ذنب إيران، الذنب ذنب من يقبل في لبنان بأن يأتي الترياق عن طريق طهران ومن يعتقد أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة تستطيع عمل شيء من أجل لبنان.

من المفارقات الغريبة وجود لبنانيين تابعين لـ'الحرس الثوري' الإيراني يطالبون بتوجيه الشكر إلى إيران بعد كل ما حل بالجنوب اللبناني من مصائب. يمكن شكر طرف قدّم لك في يوم من الأيام الخير، في حين شكر إيران هو شكر العبد لسيّده على الذل الذي أوصله إليه. ذلك هو المعنى الوحيد لطلب نعيم قاسم الأمين العام لـ'حزب الله' توجيه الشكر لإيران التي جعلت من جنوب لبنان بضاعة تتاجر بها في كلّ مناسبة…

في الواقع، يحتار اللبناني في بحثه عن سبب لشكر إيران، خصوصا في ضوء الدور الذي لعبته منذ دخول عناصر من 'الحرس الثوري' مدينة بعلبك صيف العام 1982 واتخاذها من ثكنة للجيش اللبناني، هي ثكنة الشيخ عبدالله، مقرّا لها. هذا يعني، بكلّ بساطة أنّ 'الجمهورية الإسلاميّة' استهدفت دائما مؤسسات الدولة اللبنانيّة وعملت على تدميرها الواحدة تلو الأخرى منذ ما يزيد على أربعة عقود. قضت إيران، التي تورطت في اغتيال رفيق الحريري في العام 2005 على الأمل الوحيد باستعادة لبنان عافيته واستعادة مكان له على خريطة الشرق الأوسط. كلّ المطلوب من لبنان، إيرانيا أن يكون مجرّد مستعمرة تدار أمورها من طهران…

في السنة 2026، تبددت الحيرة في شأن كيفية شكر إيران. تبددت لا لشيء سوى لأنّه بات على اللبناني شكر إيران لسبب في غاية الوضوح. إنّه سبب مستنكر كلّ الاستنكار في الوقت ذاته. يتمثّل هذا السبب في عمل 'الجمهوريّة الإسلاميّة' كل ما تستطيع من أجل ضمان عودة الاحتلال الإسرائيلي إلى جنوب لبنان. يوجد إصرار إيراني على بقاء الاحتلال الإسرائيلي كي يبقى لبنان مجرد بضاعة تصلح للمتاجرة بها.

لا يخجل 'حزب الله' من رفع لافتات على طريق مطار رفيق الحريري في بيروت يوجه فيها الشكر لإيران. لم يعد من حدود للوقاحة الإيرانيّة في ما يخصّ لبنان الذي عليه أن يكون مجرّد ورقة تستخدمها 'الجمهوريّة الإسلاميّة' في المفاوضات التي تجريها مع الولايات المتحدة بغية التوصّل إلى صفقة معها تضمن مستقبل النظام. كلّ ما تريده إيران هو اعتراف أميركي بدور الهيمنة الذي تمارسه في المنطقة. لا أخذ في الاعتبار لواقع إقليمي جديد يتمثل في خروج سوريا من تحت السيطرة الإيرانيّة واختيار لبنان المفاوضات المباشرة مع إسرائيل بدل أن يكون تابعا في المفاوضات التي تجريها 'لجمهوريّة الإسلاميّة' مع 'الشيطان الأكبر' في سويسرا بوساطة باكستانيّة وقطرية.

في النهاية، ليس الذنب ذنب إيران. الذنب ذنب من يقبل في لبنان بأن يأتي الترياق عن طريق طهران. من يعتقد أنّ 'الجمهوريّة الإسلاميّة' تستطيع عمل شيء من أجل لبنان، يتجاهل الحقيقة المرّة. تتمثّل هذه الحقيقة في احتلال إسرائيل نحو عشرة في المئة من مساحة لبنان وتدمير نحو مئة قرية وتهجير نحو مليون و200 ألف لبناني، أكثريتهم الساحقة ن أبناء الطائفة الشيعيّة، من أراضيهم وقراهم وبلداتهم. تلك كانت النتيجة الملموسة للتدخل الإيراني في لبنان وفرض سيطرته الكاملة على 'حزب الله' الذي أراد الانتقام لمقتل علي خامنئي 'المرشد الأعلى' في إيران يوم 28 شباط – فبراير الماضي… انطلاقا من جنوب لبنان!

من اللافت لجوء إيران إلى وضع لبنان في الواجهة في المفاوضات التي دارت بين وفد يمثلها برئاسة محمد قاليباف وعباس عراقجي ووفد أميركي برئاسة نائب الرئيس جي. دي. فانس. كلّ ما أرادت 'الجمهوريّة الإسلاميّة' عمله هو المتاجرة بلبنان، لا أكثر. إنّ أي لبناني يمتلك حدّا أدنى من المنطق يعرف أنّ ليس في استطاعة إيران تقديم شيء للبلد. كلّ ما تستطيع إيران عمله هو الدفع في اتجاه تكريس الاحتلال الإسرائيلي.

بوضعها لبنان في الواجهة وتظاهرها بأنّها تدافع عن لبنان، تهرب إيران من الإستحقاقات الكبيرة التي سيكون عليها التعاطي معها عاجلا أم آجلا. المعني بهذه الإستحقاقات هل إيران دولة طبيعيّة أم لا؟ هل ستتخلى نهائيا عن برنامجها النووي الهادف إلى صنع قنبلة ذرّية؟ هل تتخلّى عن صواريخها الباليستية؟ هل تتخلّى عن ادواتها المنتشرة في العراق ولبنان واليمن، في مقدّمها 'حزب الله'؟

تلك هي عناوين الإستحقاقات التي لا مجال للهرب منها. تشمل هذه الإستحقاقات، في طبيعة الحال، سلوك إيران مع جوارها العربي بعدما تبيّن أنّها لم تتخل يوما عن روحها العدائية لهذا الجوار، خصوصا الدول الست في مجلس التعاون الخليجي.

شكر لبنان إيران أم لم يشكرها، يبقى مطلوبا في نهاية المطاف توقّف 'الجمهوريّة الإسلاميّة' عن اعتبار البلد مجرّد ورقة تستخدم في خدمة مشروع توسّعي صار من الماضي. عمل هذا المشروع على تدمير كلّ مؤسسة لبنانيّة وعلى نشر ثقافة الموت في كلّ بقعة من البلد. قاوم اللبنانيون المشروع الإيراني وما زالوا يقاومونه. قبل ذلك قاوموا المشروع السوري الذي وقف خلفه الراحل حافظ الأسد ثم نجله بشّار الذي انتهى لاجئا في موسكو.

توجد خدمة وحيدة في استطاعة إيران تقديمها من أجل أن يشكرها اللبنانيون فعلا. تتمثل هذه الخدمة في جعل 'حزب الله' يتخلّى عن سلاحه… هذا إذا كانت تريد بالفعل نهاية للاحتلال الإسرائيلي لجزء من لبنان.

 في ما عدا ذلك، ليست إيران سوى في خدمة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني وفي خدمة عمليات التدمير والجرف والتهجير التي تمارسها الدولة العبريّة في تلك المنطقة العزيزة من لبنان!

ليس بعيدا اليوم الذي يكتشف فيه شيعة لبنان أنّ إيران استخدمتهم في عملية كان يفترض بهم البقاء بعيدين عنها حفاظا على أرضهم قبل أي شيء آخر. عليهم أن يسألوا أنفسهم منذ الآن من سيخرج الإسرائيلي من جنوب لبنان؟ من سيعيد الناس إلى قراهم وبلداتهم؟ من سيعيد إعمار ما تهدم؟ 

هذه كلّها أسئلة مؤجلة لكن يوم طرحها ليس بعيدا، لا لشيء سوى لأنّها أسئلة حقيقية تتعلق بحياة البشر قبل أي شيء!