'صوت هند رجب' يملأ أرجاء البندقية السينمائي تعاطفا

كوثر بن هنية: الغضب والشعور بالعجز عن فعل شيء هما من ولّدا هذا الفيلم.

البندقية (إيطاليا) - يحمل فيلم "صوت هند رجب" الذي عُرض لأول مرة الأربعاء في مهرجان البندقية السينمائي التوسلات الأخيرة المؤلمة لطفلة فلسطينية تبلغ من العمر خمس سنوات حوصرت في سيارة تحت القصف الإسرائيلي، ولاقى الفيلم استحسانا كبيرا عند عرضه.

ويستند الفيلم إلى تسجيلات صوتية حقيقية للمكالمة بين هند رجب وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، قبل موتها.

وأكدت المخرجة التونسية كوثر بن هنية قبيل عرض فيلمها "صوت هند رجب" ضمن المهرجان السينمائي الأقدم الذي أصبح محطة انطلاق نحو جوائز الأوسكار، محاطة بالممثلين الذين تعاونوا معها، "هذا الفيلم كان مهما جدا بالنسبة إلي، إذ عندما سمعت صوت هند رجب للمرة الأولى، كان يوجد ما هو أعمق من مجرد صوتها. كان بمثابة صوت غزة تصرخ طلبا للمساعدة، ولا أحد يستطيع الدخول".

وقالت الممثلة سجى كيلاني في كلمة ألقتها نيابة عن الممثلين في الفيلم الذي حظي بتصفيق حار نادر من بعض الصحافيين الحاضرين "اجعلوا صدى صوت هند رجب يتردد في العالم.. قصة هند تحمل ثقل شعب بأكمله".

ويعزز هذا الفيلم الساعي إلى الفوز بجائزة الأسد الذهبي البُعد السياسي للدورة الثانية والثمانين من المهرجان، وكانت من أبرز تجليات هذا الطابع تظاهرة شارك فيها آلاف الأشخاص، السبت، لحض المهرجان على اتخاذ موقف ضد أفعال إسرائيل في قطاع غزة المدمّر بفعل الحرب التي بدأت إثر الهجوم غير المسبوق نفذته حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وأمل المدير الفني للمهرجان ألبرتو باربيرا في يوليو/تموز الماضي في ألا يُحدث هذا الفيلم أي جدل، لكنه توقّع أن يترك "تأثيرا قويا على الحاضرين".

وهند التي كانت في الخامسة من عمرها، عثرت عليها عائلتها داخل سيارة مزقها الرصاص بعد 12 يوما من مقتلها مع جثامين ستة من أقربائها في منطقة تل الهوى جنوب غرب مدينة غزة.

وتدور أحداث الفيلم الذي تبلغ مدته 90 دقيقة في مركز الاتصال التابع للهلال الأحمر، وسط تنازع بين الرغبة في إنقاذ حياة الطفلة، ووجوب احترام بروتوكولات الطوارئ وتجنب تعريض المنقذين للخطر.

وتستخدم المخرجة التي تهوى في أعمالها جَعلَ الحدود بين الواقع والخيال غير واضحة، تسجيلات الاتصالات الحقيقية لهند، لكنّها تعتمد مشاهد تمثيلية لما كان يحدث في مركز الاتصال، مستعينة بممثلين جميعهم فلسطينيون.

ويركز العمل الدرامي الواقعي على مشغلي خدمة الهاتف في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني الذين حاولوا لساعات طويلة طمأنة هند رجب العالقة وهي تتوسل لإنقاذها من السيارة، حيث كانت عمتها وعمها وثلاثة من أبناء عمومتها يرقدون بالفعل في عداد الموتى.

واستخدمت عبارة الفتاة الصغيرة "أنا خائفة جدا، أرجوكم تعالوا" معززة بمقاطع أصلية أخرى لمكالماتها اليائسة مع مشغلي خدمة الهاتف بشكل قوي طوال الفيلم.

وأفادت الكيلاني "السؤال الحقيقي هو كيف تركنا طفلة تتوسل من أجل الحياة؟ لا يمكن لأحد أن يعيش في سلام بينما يُجبر طفل واحد على التوسل من أجل البقاء على قيد الحياة… دعوا صوت هند رجب يتردد صداه بأنحاء العالم".

وبعد انتظار دام ثلاث ساعات، حصل الهلال الأحمر أخيرا على الضوء الأخضر من إسرائيل لإرسال سيارة إسعاف لإنقاذ هند. لكن انقطع الاتصال بالفتاة والمنقذين أنفسهما بعد وصول سيارة الإسعاف إلى مكان الواقعة.

وبعد أيام، عُثر على جثة الفتاة مع جثة أقاربها في السيارة. كما تم انتشال أشلاء عاملي الإسعاف القتيلين من سيارتهما التي تعرضت للقصف.

وقدرّت منظمة "فورنسيك أركيتكتشر" أن الجيش الإسرائيلي أطلق 335 طلقة على السيارة التي أمضت فيها هند ساعات على الهاتف مرعوبة وسط زخات الرصاص وهي تتوسل مسعفي الهلال الأحمر أن يأتوا لإنقاذها.

وقال الجيش الإسرائيلي في البداية إن قواته لم تكن في نطاق إطلاق النار على السيارة. ومع ذلك، شككت تحقيقات مستقلة في هذا التأكيد، وقال تقرير لاحق للأمم المتحدة إن الجيش الإسرائيلي دمر سيارة هند، ثم قتل المسعفين اللذين كانا يحاولان إنقاذها.

وفي رده على سؤال هذا الأسبوع بشأن تلك الواقعة، قال الجيش الإسرائيلي إن الواقعة التي يعود تاريخها إلى 29 يناير/كانون الثاني 2024، لا تزال قيد المراجعة، ورفض الإدلاء بمزيد من التعليقات.

قوبل الفيلم بتصفيق حار استمر 24 دقيقة خلال العرض الأول، وهي أطول مدة مسجلة في هذا المهرجان حتى الآن، مما يشير إلى أنه المرشح الأوفر حظا لدى الجمهور في الفوز بجائزة الأسد الذهبي التي ستُمنح في السادس من سبتمبر/أيلول الجاري. وهتف بعض الأشخاص من الجمهور "فلسطين حرة".

واستقطب الفيلم بعض الأسماء اللامعة في هوليوود كمنتجين منفذين، مما منحه ثقلا إضافيا في صناعة السينما، بما في ذلك الممثلون براد بيت وخواكين فينيكس وروني مارا، والمخرجين ألفونسو كوارون وجوناثان غليزر. وقد أكد الفريق الصحافي للفيلم لوكالة فرانس برس أن هؤلاء "حضروا الفيلم وأبدوا إعجابهم به".

وقالت هنية في مؤتمر صحافي "نرى أن وسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم تُصوّر قتلى غزة كأضرار جانبية. أجد هذا مُهينا جدا، ولهذا السبب تُعد السينما والفن وكل أشكال التعبير بالغة الأهمية لإعطاء صوت ووجه لهؤلاء الناس".

وأضافت المخرجة التونسية التي كتبت السيناريو أيضا إن صوت هند تجاوز مأساة واحدة، قائلة "عندما سمعت صوت هند للمرة الأولى، كان هناك ما هو أكثر من صوتها. لقد كان صوت غزة ذاتها تطلب المساعدة… الغضب والشعور بالعجز عن فعل شيء هما من ولّدا هذا الفيلم"، متابعة أنه "كان لا بد من إنتاج فيلم كهذا لأن القصص الروائية كثيراً ما تُذكرنا بحقائق ننساها، وتُظهر لنا أحياناً عالماً مُنع من الكلام".

واجتاح الجيش الإسرائيلي قطاع غزة بعد أن هاجم مسلحون بقيادة حركة حماس الفلسطينية مناطق بجنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وكتبت كوثر بن هنية على حسابها بمنصة إنستغرام أنها سمعت بمحض الصدفة مقاطع من نداءات الاستغاثة التي أطلقتها الطفلة هند رجب، فسارعت للتواصل مع الهلال الأحمر.

وأضافت المخرجة الفرنسية التونسية البالغة 48 عاما "تحدثت مطولا مع والدة هند، ومع الأشخاص الذين كانوا على الطرف الآخر من الخط، والذين حاولوا مساعدتها. استمعت، بكيت، وكتبت".

وتأمل وسام حمادة، والدة الطفلة هند رجب، في اتصال هاتفي مع وكالة فرانس برس من مدينة غزة أن "يصل صوت غزة وتقف هذه الحرب المدمرة، ويكون هذا الفيلم سببا في إنقاذ باقي أطفال غزة".

وتابعت المرأة البالغة 29 عاما والتي تعيش مع نجلها البالغ خمس سنوات وتوفي زوجها قبل عام "هند ليست سوى حالة من بين آلاف، لماذا لم يتحرك العالم لإنقاذ باقي الأمهات والأطفال؟ لماذا لم يتحرك العالم لباقي غزة؟!".

وأعلنت أكبر جمعية أكاديمية بالعالم لعلماء أبحاث الإبادة الجماعية هذا الأسبوع الانتهاء إلى قرار ينص على استيفاء المعايير القانونية لإثبات ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة، وهو ما تنكره إسرائيل.

وقال الممثلون الذين أدوا أدوار موظفي الهلال الأحمر إنهم لم يسمعوا تسجيلات هند إلا في موقع التصوير، مما جعل التصوير عملية مؤثرة للغاية.

وأكد الممثل الفلسطيني معتز ملحيس "مرتان لم أستطع فيهما مواصلة التصوير. أصبت بنوبة هلع".

وبعد مهرجان البندقية الأربعاء، يُعرض الفيلم في مهرجانات تورنتو ولندن وسان سيباستيان وبوسان، وبدأ تداوله كأحد الأفلام المرشحة لجوائز الأوسكار.

ففي 27 أغسطس/آب الماضي، قررت اللجنة المجتمعة تحت إشراف المركز الوطني للسينما والصورة ترشيح "صوت هند رجب"، لتمثيل تونس في فئة أفضل فيلم عالمي ضمن الدورة 98 لحفل توزيع جوائز الأوسكار، الذي سينتظم يوم 15 مارس/آذار 2026 في مدينة لوس أنجلس.

وجاء في بلاغ صادر عن المركز الوطني للسينما والصورة أن هذا الفيلم استوفى جميع معايير الأهلية الفنية والتقنية التي تفرضها أكاديمية فنون وعلوم السينما، الجهة المنظمة لجائزة الأوسكار، التي تعد من أرفع الجوائز السينمائية في العالم.

ويمثل هذا الترشيح الثالث من نوعه، الذي تحظى فيه أعمال كوثر بن هنية بهذا الشرف، بعد ترشيح فيلمها الروائي "الرجل الذي باع ظهره" سنة 2021، والفيلم الوثائقي "بنات ألفة" سنة 2024.

وينتظر أن تعلن الأكاديمية عن القائمة الأولى المختصرة للأفلام المرشحة لجائزة أفضل فيلم عالمي يوم 16 ديسمبر/كانون الأول 2025 والتي ستضم 15 فيلما قبل أن يتم الكشف عن القائمة النهائية يوم 22 يناير/كانون الثاني 2026.