صور الأطفال في المهرجانات التونسية تثير جدلا قانونيا
تونس - أثار انتشار لقطات ومقاطع فيديو على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي توثق لحظات عفوية وتلقائية لأطفال أثناء مشاركتهم في فعاليات عدد من المهرجانات الصيفية بتونس، موجة من الاستنكار جاءت على خلفية تعليقات وُصفت بالمسيئة، ما استدعى تدخلاً رسميا من وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، التي أحالت الموضوع إلى الجهات القضائية المختصة.
وقالت الوزارة في بلاغ نشرته عبر صفحتها على موقع فيسبوك "تبعا لما تمّ التوصّل إليه من إشعارات بخصوص نشر صور ومقاطع فيديو تتضمّن مشاهد مسيئة لأطفال خلال حضورهم ببعض المهرجانات الصيفيّة وتداولها على غير الصيغ القانونيّة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، كلفت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن المندوب العام لحماية الطفولة بإعلام النيابة العمومية لطلب إعطاء الإذن بفتح بحث في الغرض".
وتعد رعاية الطفل وحمايته من كل أشكال التهديد مهما كان مصدرها مسؤولية جماعية وفق أحكام الدستور في فصله 52، وفق ما أكدته الوزارة في بلاغها، مشددة على أن نشر وتداول صور الأطفال القصّر على غير الصيغ القانونيّة يتعارض مع صريح أحكام القانون الأساسي عدد 63 لسنة 2004 المِؤرخ في 27 يوليو/تموز 2004 والمتعلق بحماية المعطيات الشخصية ويعدّ انتهاكا صارخا لمصلحة الطفل الفضلى وفق المعايير المحدّدة بمجلة حماية الطفل الصادرة بمقتضى القانون عدد 92 لسنة 1995 المؤرخ في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1995.
وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في تونس مؤخرا صورا ومقاطع فيديو لفتيات أظهرن تفاعلا كبيرا أثناء حضرهن ببعض المهرجانات، حيث كتب معلق على فيسبوك "شنوا الي يخلي بنيّة (ما الذي يجعل فتاة) عمرها عشرة سنين تبكي على غناية؟؟؟ قصة حب فاشلة؟ خيانة؟ عرست وطلقت؟؟ غدر أصحاب؟ كانت صاحبة مشاريع وفلست؟؟ شاركت في حرب 67؟ عندكمش تفسير؟؟؟ (هل عندكم أي تفسير)".
وأضاف معلق آخر "بربي غير نحب نفهم شنوة الي يبكيها في كلمات الأغنية هاذي؟؟؟؟ والطفلة علاش (لماذا) تبكي حسب ما فهمت الأغنية تتحدث على راجل خانوه؟؟؟ ووين عائلتها ووين تربيتهم وهاذم تو أمهات مستقبل وفمة مستقبل؟؟؟؟؟"، وقالت صفحة على فيسبوك "فيديو اليوم طفلة تتأثر حتى البكاء بأغاني الشامي.. ماذا يحدث لأطفال الخضراء.. هل هي دموع الفرح أم دموع الحزن أم هو كلام جرح مشاعرها الصبيانية.. خوفي على أمهات المستقبل".
وكتب معلق آخر "الله يرحم أيام قناة طيور الجنة.. تأثرت طفلة حتى البكاء خلال حفلة الفنان السوري الشامي في تونس، مشهد غريب لكنه يطرح تساؤل مؤلم... أين الطفولة من مشاهد لا تُناسب عمرها؟ وما الذي نزرعه اليوم في وجدان أبنائنا؟!.. المشاهد أصبحت مكررة بهذا الزمن".
وهذا ما دفع الوزارة إلى دعوة كافة الأسر للحرص على ترشيد استعمال وسائل التواصل الحديثة وحسن توظيفها بما يضمن التنشئة السليمة والمتوازنة للأطفال ويذكي فيهم جذوة الاعتزاز بالهوية الوطنية والانتماء الحضاري والقيم الإيجابية الأصيلة.
ورغم وضوح هذا الإطار التشريعي، لا تزال ظاهرة نشر صور القُصّر منتشرة، خاصة خلال الفعاليات العائلية والمهرجانات. ويقوم بعض المصورين، سواء من الجمهور أو الجهات المنظمة، بتصوير الأطفال دون إذن، وهو ما يفتح الباب أمام استغلال هذه الصور أو تحويرها في سياقات قد تُلحق ضرراً بمصلحة الطفل الفضلى.
وأكدت وزارة الأسرة أن حماية الطفل لا تقتصر على الجوانب الجسدية، بل تشمل أيضًا صون صورته وكرامته ومعطياته الشخصية. واعتبرت تداول صور الأطفال دون ترخيص قانوني انتهاكًا واضحًا لمبدأ المصلحة الفضلى المنصوص عليه في مجلة حماية الطفل، إذ تهيب الوزارة بمختلف وسائل الإعلام ومؤسساته للمساهمة في الوقاية من كلّ السلوكيات والممارسات التي تمسّ بحقوق الطفل وتتعارض مع مصلحته الفضلى.
وينصّ القانون التونسي على ضرورة الحصول على موافقة مزدوجة، من الولي ومن قاضي الأسرة، عند استخدام صور الأطفال في الإعلانات التجارية أو الأعمال الفنية أو الحملات الترويجية. ولا يُمنح هذا الترخيص إلا بعد التأكد من أن المحتوى لا يحمل أي ضرر مباشر أو غير مباشر على الطفل، سواء من الناحية النفسية أو الاجتماعية.
وتُطبّق نفس الشروط عند مشاركة الأطفال في المسلسلات والأفلام والفيديو كليبات، حيث تخضع المشاركات لتقدير قضائي مسبق لضمان عدم المساس بسلامة الطفل.
ولا يكتفي القانون بالتحذير، بل يفرض عقوبات صارمة على المخالفين، تشمل السجن لفترة تصل إلى عامين وخطايا مالية قد تصل إلى 10 آلاف دينار، خاصة في حال نشر أو استعمال معطيات شخصية دون إذن، أو استغلال صور الأطفال دون مبرر قانوني.
ووفق وكالة تونس أفريقيا للأنباء، فإن تصوير الحاضرين في الفضاءات العامة، مثل المسارح والمهرجانات، سواء كانوا أطفالا قصر أو راشدين، يثير جدلا قانونيا، فبينما تُعتبر التغطية الإعلامية حقا مكفولا، فإن القانون يتيح لمن يتم تصويره في وضعية غير لائقة أو محرجة دون علمه الحق في مقاضاة الجهة الناشرة، باعتبار أن ذلك يدخل في إطار نشر معطيات شخصية دون موافقة، غير أن الواقع العملي يفرض توازنا دقيقا، إذ لا يمكن مطالبة وسائل الإعلام أو منتجي البرامج باستشارة كل الحاضرين قبل التصوير، تفاديا لتقييد العمل الصحفي والإنتاج الفني.
وفي ظل التوسع السريع لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، دعت الوزارة إلى تعزيز الوعي الرقمي لدى الأسر، وحثّتهم على التفكير في تأثير كل صورة قبل نشرها، فالصورة ليست مجرد لحظة جميلة، بل قد تتحول إلى أداة انتهاك لخصوصية الطفل.
كما أكدت الوزارة أن هذه التحركات تندرج ضمن جهود وطنية لحماية القُصّر من المخاطر الرقمية، وتكريس ثقافة احترام الحياة الخاصة، خاصة بالنسبة للفئات الهشّة مثل الأطفال، الذين يجب أن تُصان كرامتهم ومعطياتهم الشخصية بموجب القانون.
ولم تعد حماية الأطفال في الفضاء الرقمي ترفًا قانونيًا، بل ضرورة مجتمعية وأخلاقية، تستوجب يقظة جماعية من الأسر والجهات الإعلامية والمؤسسات الثقافية، فبينما يُعدّ التوثيق جزءًا من حرية التعبير، تبقى مصلحة الطفل وحقه في الخصوصية أولوية لا تحتمل التساهل، ولأن الصورة قد تتحول من لحظة براءة إلى أداة انتهاك، فإن احترام الإطار القانوني ليس فقط التزامًا بالنص، بل تعبير عن وعي جماعي يحمي مستقبل الأجيال الصاعدة من مخاطر لا تُرى في عدسة الكاميرا، لكنها قد تترك أثارًا عميقة في نفس الطفل وكرامته.