طوق نجاة للمهاجرين، ما هي مبادرة 'العفو الاستثنائي' في بريطانيا؟
في ظل تصاعد الخطاب المناهض للهجرة في بريطانيا، وتشديد القوانين والإجراءات المتعلقة بالإقامة واللجوء، برزت خلال الأسابيع الأخيرة مبادرة قانونية لافتة قد تفتح باب الأمل أمام آلاف المهاجرين غير النظاميين المقيمين في المملكة المتحدة. فقد تمكنت عريضة برلمانية رسمية طرحها المستشار القانوني البريطاني من أصل مصري عمرو محب، من تجاوز حاجز العشرة آلاف توقيع، وهو الرقم الذي يُلزم الحكومة البريطانية بتقديم رد رسمي عليها، ويمنح القضية زخماً سياسياً وإعلامياً متزايداً.
وتطالب العريضة بمنح "عفو استثنائي لمرة واحدة" لفئة من المهاجرين غير النظاميين الذين يعيشون في بريطانيا منذ سنوات طويلة، بما يسمح بتسوية أوضاعهم القانونية وإدماجهم في المجتمع والاقتصاد بصورة رسمية. ويأتي هذا الطرح في توقيت حساس، حيث تترقب الأوساط السياسية والقانونية تعديلات محتملة على قوانين الهجرة والإقامة والجنسية، في وقت لا يزال فيه آلاف المهاجرين يعيشون حالة من عدم اليقين القانوني نتيجة النزاعات والأزمات الجيوسياسية التي شهدتها مناطق مختلفة من العالم، وعلى رأسها الشرق الأوسط.
وتوفر هذه النوعية من المبادرات فرصة لتجاوز بعض الاشكاليات الاجتماعية، وحل أزمات اقتصادية يومية، وتعزز الرؤية السياسية لدى الحكومة البريطانية في قدرتها على تسوية المشكلات المعقدة، التي طفت بكثافة في عدد من الدول الأوروبية. تدلل المبادرة وارتفاع مستوى التجاوب معها يوميا، على وجود رغبة في عدم وصول الأمر إلى حد الأزمة، التي يمكن أن تزعج شرائح مختلفة في المجتمع.
ويؤكد مؤيدو المبادرة أن هذه الظاهرة لا تضر بالمهاجرين وحدهم، بل تنعكس سلباً على الاقتصاد البريطاني أيضاً. فالعامل غير النظامي غالباً ما يتقاضى أجوراً متدنية للغاية، ويعمل في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية القانونية، ما يجعله عرضة للاستغلال والانتهاكات المختلفة. كما يؤدي انتشار هذا النوع من العمالة إلى توسيع الاقتصاد الموازي وتقويض مبدأ المنافسة العادلة بين الشركات والمؤسسات.
ويقول المستشار عمرو محب إن المبادرة "ليست مجرد قضية هجرة، بل معركة تتعلق بمستقبل بريطانيا"، موضحاً أن كثيرين يختزلون العريضة في فكرة منح وضع قانوني لمجموعة من الأشخاص، بينما تتجاوز أهدافها ذلك بكثير. فبحسب رؤيته، تمثل المبادرة محاولة لطرح حلول عملية تخدم الدولة البريطانية من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وتساعد في معالجة ملفات ظلت عالقة لفترات طويلة دون حلول جذرية.
وتستند الفكرة إلى نماذج أوروبية مشابهة، أبرزها النموذج الإسباني الذي اعتمد في مراحل مختلفة على تسوية أوضاع أعداد من المهاجرين مقابل إدماجهم في سوق العمل الرسمي وإلزامهم بالمساهمة الضريبية. ويرى أصحاب المبادرة أن التجربة الإسبانية أظهرت إمكانية تحويل فئة كبيرة من الأشخاص من عبء إداري وقانوني إلى مساهمين فاعلين في الاقتصاد الوطني.
ومن أبرز المحاور التي ترتكز عليها العريضة مكافحة ما يعرف بالاقتصاد الأسود والحد من مظاهر العبودية الحديثة. فغياب الحلول القانونية طويلة الأمد يدفع العديد من الأشخاص إلى الوقوع في شبكات الاستغلال الاقتصادي أو الجنسي، كما يجعلهم عرضة للابتزاز والعمل في ظروف غير إنسانية. ويرى مقدمو العريضة أن منح هؤلاء إطاراً قانونياً واضحاً من شأنه القضاء على جزء كبير من هذه الظواهر، وتحقيق حماية أكبر للعمال، إلى جانب توفير بيئة تنافسية أكثر عدالة لأصحاب الأعمال الملتزمين بالقانون.
كما تركز المبادرة على البعد الأمني، إذ يؤكد مؤيدوها أن الأمن القومي لا يتحقق فقط عبر تشديد الرقابة على الحدود، بل أيضاً من خلال معرفة الدولة الدقيقة بهوية المقيمين داخل أراضيها وأماكن وجودهم وأنشطتهم الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، فإن إدماج المقيمين منذ سنوات طويلة ضمن إطار قانوني رسمي يعزز من مستويات الشفافية والمساءلة ويمنح السلطات قدرة أكبر على إدارة الملف بصورة فعالة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فتشير المبادرة إلى أن آلاف المهاجرين غير الموثقين يشاركون بالفعل في الدورة الاقتصادية اليومية من خلال الاستهلاك والإنفاق في الأسواق المحلية. ولذلك فإن نقلهم إلى الاقتصاد الرسمي سيمكن الدولة من تحصيل ضرائب ورسوم وتأمينات وطنية إضافية، وهو ما قد يساهم في دعم قطاعات حيوية تعاني من نقص في العمالة والموارد، مثل القطاع الصحي، والنقل، والبناء، والخدمات الاجتماعية.
وتلفت العريضة الانتباه كذلك إلى الكلفة الباهظة التي تتحملها الدولة نتيجة استمرار الملفات العالقة لسنوات طويلة داخل المنظومة البيروقراطية. فإدارة طلبات الهجرة واللجوء والطعون القانونية المتراكمة تتطلب موارد مالية وإدارية كبيرة. ومن ثم، فإن إيجاد تسوية استثنائية ومدروسة قد يساهم في تخفيف العبء عن المؤسسات الحكومية وتوفير جزء من النفقات العامة التي يتحملها دافعو الضرائب.
وفي المحصلة، تحاول المبادرة تقديم مقاربة مختلفة لملف الهجرة، بعيداً عن الاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار. فبحسب مؤيديها، لا يوجد تعارض بين الحفاظ على حدود قوية وسياسات هجرة صارمة من جهة، وبين تبني حلول إنسانية وعملية للفئات التي أصبحت جزءاً من المجتمع البريطاني من جهة أخرى.
ويبقى القرار النهائي بيد المؤسسات البريطانية المختصة، إلا أن تجاوز العريضة حاجز العشرة آلاف توقيع يمثل خطوة مهمة في مسار النقاش العام حول مستقبل الهجرة في المملكة المتحدة، ويفتح الباب أمام حوار أوسع بشأن كيفية معالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في الحياة السياسية البريطانية المعاصرة.
عموما واذا كان عمرو محب أخذ على عاتقه طرح المبادرة، فعلى المعنيين بالقضية من فئات مختلفة دراستها، لأن قد تمثل مسارا أو طريقا مريحا للجميع، يمكن أن يصبح مقدمة قانونية مرضية، تتواءم مع القوانين البريطانية، وتتعامل مع المستجدات بواقعية. فاللاجئون في العالم هم جزء من العصب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فضلا عن الانساني والأخلاقي. والبحث عن حلول عملية يحسب للدولة ويعزز مصداقيتها ورحابة صدرها.