طين المتوسط يتكلم عربيا في منتون الفرنسية

مهرجان الخزف فضاءٌ عالميّ تلتقي فيه أيدي الفنانين القادمين من عشرين ثقافة مختلفة لتصنع معا لغة إنسانية بلا حدود.

باريس ـ تتحول مدينة منتون الفرنسية كل عام إلى ملتقى حضاري استثنائي، حين يجمع مهرجانها للخزف فنانين من ضفتَي المتوسط حول مادة واحدة جمعت الإنسان بالأرض منذ فجر التاريخ.

وفي دورة هذا العام المنعدة يومي 23 و24 مايو/ايار، كان الحضور العربي لافتا بعمقه وتنوعه، إذ قدّم فنانون من المغرب وتونس والجزائر أعمالا تجعل من الطين لغةً للهوية والحوار معًا، وتؤكد أن الفن حين يصدر عن جذور حقيقية يتجاوز حدود اللغة والجغرافيا.

وتأسّس مهرجان البحر الأبيض المتوسط للخزف في منتون منذ عقود، بوصفه منصةً تجمع الفنانين الخزافين من دول الحوض المتوسطي في فضاء واحد يؤمن بأن هذا البحر القديم يوحّد أكثر مما يفصل.

وتحتضن منتون، بموقعها الحدودي بين فرنسا وإيطاليا وبمناخها الذي يمزج الشمس الجنوبية بنسيم الريفييرا، روح المهرجان ببيئة طبيعية تبدو وكأنها صُنعت لاستقبال هذا اللقاء الحضاري.

يستقطب المهرجان سنويًا مئات الخزافين وآلاف الزوار، ويشمل معارض مفتوحة وورش عمل وجلسات نقاش تتناول مستقبل فن الخزف في عالم تهيمن عليه الصناعة. وقد باتت مشاركة الفنانين العرب ركيزةً أساسية في هذا الحدث، لا إضافةً هامشية، بما يحملونه من إرث بصري وتقني يُثري المشهد الفني ويمنحه أبعادا أعمق.

ومن الأواني الفينيقية المزخرفة إلى الفخار الإسلامي الموشّى بالزخارف الهندسية، ظل هذا الفن شاهدا أمينًا على تفاعل الإنسان مع محيطه العربي وروحه وذاكرته الجماعية.

وقد عرفت الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها تقنيات متقدمة في صناعة الخزف، من البريق المعدني الذي ابتكره الفنانون العباسيون إلى الفسيفساء الزليجية التي زيّنت قصور الأندلس ومساجد المغرب. كل هذا الإرث يحمله الفنان العربي حين يضع يديه في الطين، وعيًا كان أم حدسًا.

وفي منتون، يستحضر الفنانون العرب هذا الإرث الثري بروح معاصرة، فتغدو أعمالهم جسرا حيا بين الماضي والحاضر، بين الحرفة والفن، بين الموروث والمبتكر.

وتتباين التعبيرات وتتوحد الرؤية؛ إذ يعرض المغرب قطعا تتوشّح بالزخارف الأمازيغية وألوان ترابية تستدعي روح الأطلس والريف. وتتحول هذه الزخارف من ديكور لإلى كتابة بصرية قديمة حملت لقرون قيم المجتمع الأمازيغي ورموز الخصوبة والحماية والانتماء القبلي.

وتبرز تونس بتقنيات 'خزف نابل' العريقة مُحاطةً بلمسات معاصرة تمنحها نفسا جديدا. وتُعدّ نابل عاصمةً تاريخية لصناعة الخزف في تونس، إذ توارثت أسرها هذه الحرفة جيلًا بعد جيل، وطوّرت أسلوبا خاصا يمزج بين التأثيرات الأندلسية والعثمانية والمتوسطية في تناغم نادر.

وتقدّم الجزائر أعمالًا تنهل من عمق الزخارف الإسلامية وبديع الهندسة التقليدية، مستلهمةً أنماطًا هندسية تشعّ من المساجد العتيقة والمخطوطات المنسية، لتُصبّها في قوالب معاصرة تفاجئ الناظر بجدّتها دون أن تُفقده إحساسه بالعراقة.

يقول الخزّاف المغربي يوسف الأمراني، "حين أشكّل الطين، أشعر أنني أحاور أجدادي الذين بنوا مآذن المدن العتيقة وزيّنوا أبواب القصبات. أحضر إلى منتون لأقول إن هذا التراث لا يزال حيا ومتجددا، وإن الجمال العربي لم يتحجّر في المتاحف".

وتشاركه الرأي التونسية فاطمة بن سالم التي تعمل بالتوازي بين التقنيات التقليدية والتجريب المعاصر، "الخزف العربي لا يتحدث عن الجمال وحده، بل عن الهوية والانتماء والذاكرة. هنا في أوروبا، أشعر أن كل قطعة أعرضها هي رسالة ثقافية تقول إننا جزء راسخ من هذا المتوسط المشترك".

ويضيف  الخزّاف الجزائري رشيد بلقاسم، بعدا آخر، "الزخرفة الهندسية في الفن الإسلامي ليست مجرد تكرار للأشكال، إنها فلسفة بصرية قائمة على النظام والتناسب والانسجام مع الكون. أسعى إلى أن يشعر من يرى عملي بهذه الفلسفة دون أن يكون بحاجة إلى شرح".

وما يميّز المشاركة العربية في منتون هذا العام هو قدرتها الواضحة على الجمع بين أصالة الشكل وحداثة التقنية؛ فالفنان العربي لا يعيد إنتاج الماضي بصورة جامدة، بل يوظّفه في أعمال تركيبية تستخدم أساليب حديثة في التلوين والحرق واختيار الخامات.

وتجمع بعض الأعمال المعروضة بين الفخار المحلي وتقنيات التزجيج الياباني، وبين الزخرفة العربية والتكوين التجريدي الغربي، في حوار لا يُذيب الخصوصية بل يُعلي منها.

هذا الوعي بأن الهوية ليست سجنًا بل منطلقًا هو ما يمنح الأعمال العربية قوتها وحضورها في فضاء تنافسي يجمع عشرات الثقافات والمدارس.

ولا يتفرج الجمهور الأوروبي عن بُعد؛ بل يتوقف الزوار طويلًا أمام الأعمال العربية، يسألون ويتأملون ويلتقطون الصور.

ويعبر كثيرون عن إعجابهم بالزخارف الهندسية الدقيقة والألوان الدافئة التي تستدعي الشمس والتراب والبهارات. وقد باتت بعض القطع المغاربية تُقتنى من قبل متاحف أوروبية ومقتنين خاصين، مما يؤكد أن الحضور العربي في منتون لا يؤدي دورًا احتفاليًا فحسب، بل يُرسّخ مكانةً فنية حقيقية في السوق والوجدان الأوروبيين.