عفو ملكي عن مشجعين سنغاليين يرسخ دبلوماسية التسامح في إفريقيا

العفو الملكي يبعث برسائل سياسية تتجاوز البعد الثنائي، مفادها أن المغرب يسعى إلى تقديم نموذج إفريقي في إدارة الأزمات الرياضية يقوم على التهدئة والاحتواء بدل التصعيد.

الرباط - في خطوة تحمل أبعادا سياسية وإنسانية تتجاوز الطابع القضائي، أصدر العاهل المغربي الملك محمد السادس، السبت عفوا ملكيا شمل مشجعين سنغاليين أدينوا في أعمال شغب رافقت منافسات كأس الأمم الإفريقية التي استضافها المغرب بين 21 ديسمبر/كانون الأول 2025 و18 يناير/كانون الثاني 2026.

وجاء العفو، وفق ما أورده الديوان الملكي، بمناسبة عيد الأضحى، في سياق يعكس "علاقات الأخوة التاريخية" التي تجمع المغرب والسنغال، كما يندرج ضمن المقاربة المغربية القائمة على توظيف البعد الإنساني والديني في إدارة الملفات ذات الحساسية الدبلوماسية.

ويرى مراقبون أن الرباط تواصل من خلال هذا النوع من القرارات تعزيز ما بات يوصف بـ"الدبلوماسية الروحية" أو "القوة الناعمة الدينية"، عبر استثمار قيم التسامح والعفو المستمدة من المرجعية الإسلامية لترسيخ حضورها السياسي داخل القارة الإفريقية، خاصة في منطقة غرب إفريقيا التي تربطها بالمملكة علاقات دينية وتاريخية متجذرة.

ويحمل توقيت العفو دلالات رمزية واضحة، إذ تزامن مع مناسبة دينية ترتبط في الثقافة الإسلامية بقيم الصفح والتراحم والتضامن بين الشعوب. كما يعكس القرار حضورا لافتا للخطاب الديني المعتدل الذي يحرص المغرب على تقديمه كنموذج للحكم القائم على الاعتدال والوسطية.

وتستحضر الأوساط الدينية والسياسية في هذا السياق مضامين قرآنية تدعو إلى العفو والإصلاح، من بينها قوله تعالى: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله"، وقوله تعالى "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"، وهي مرجعيات غالبا ما توظف في الخطاب الرسمي المغربي لتأكيد البعد الأخلاقي في القرارات ذات الطابع الإنساني.

وكانت السلطات المغربية قد أوقفت 18 مشجعا سنغاليا عقب أحداث عنف اندلعت بعد مباراة شهدت توترا بين الجماهير وقوات الأمن، على خلفية احتجاجات مرتبطة بقرارات تحكيمية وتنظيمية داخل محيط الملعب. وأسفرت المواجهات حينها عن إصابات وخسائر مادية، قبل أن تصدر أحكام قضائية بحق عدد من الموقوفين.

ورغم المقاربة الأمنية التي فرضتها طبيعة الأحداث، حرصت الرباط على إبقاء الملف ضمن توازن دقيق بين احترام القانون ومراعاة الاعتبارات الإنسانية والدبلوماسية، بالنظر إلى متانة العلاقات المغربية السنغالية التي تعد من بين الأكثر استقرارا داخل الفضاء الإفريقي.

ويعتبر متابعون أن العفو الملكي يبعث برسائل سياسية تتجاوز البعد الثنائي، مفادها أن المغرب يسعى إلى تقديم نموذج إفريقي في إدارة الأزمات الرياضية يقوم على التهدئة والاحتواء بدل التصعيد، في وقت أصبحت فيه الملاعب القارية ساحة تعكس توترات اجتماعية وسياسية متنامية.

وفي ختام البلاغ الملكي، وجّه العاهل المغربي تهانيه إلى الشعب والرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي في خطوة تعكس استمرار رهان المغرب على توظيف البعد الإنساني والديني لتعزيز نفوذه الدبلوماسي داخل القارة الإفريقية.