عفو ملكي يعيد الأمل لمئات السجناء ويكرس مبادئ العدالة الإنسانية

توقيت العفو المرتبط بذكرى وثيقة المطالبة بالاستقلال، يشكل تذكيرا بأن العدالة والمصالحة جزء أصيل من بناء المجتمع، وأن الفرصة الثانية ليست مجرد اختيار إنساني بل ممارسة لمبادئ العدالة المتوازنة.

الرباط - أصدر العاهل المغربي الملك محمد السادس عفوا ملكيا لفائدة 1386 شخصاً، من بينهم معتقلون وآخرون في حالة سراح، محكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة، وذلك بمناسبة ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، فيما يأتي هذا العفو الملكي في سياق يعكس الحرص على الدمج الاجتماعي وإعطاء فرصة ثانية لمن أبدوا استعدادهم للالتزام بالقانون والمشاركة الإيجابية في المجتمع، مع مراعاة التوازن بين العدالة والبعد الإنساني.

وتنسجم هذه الخطوة مع الرؤية التي تعتبر السجن مرحلة إصلاحية وليست غاية في حد ذاتها، بما يتيح للمستفيدين من العفو فرصة التحول من عناصر مُقيّدة ضمن النظام العقابي إلى أفراد فاعلين في المجتمع قادرين على الإسهام في التنمية والاستقرار.

كما تؤكد هذه المبادرة أن مقاربة الدولة في معالجة القضايا القانونية ترتبط دوماً بالقيم الإنسانية والتكافل الاجتماعي، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويعيد الأمل إلى الأسر والمجتمعات المتأثرة بعقوبات المحكوم عليهم.

وبالإضافة إلى البعد الإنساني، تحمل هذه الخطوة رسائل واضحة حول قيم التسامح والاعتدال، حيث يتم منح الأفراد فرصة مراجعة مساراتهم والانخراط في الحياة العامة بطريقة مسؤولة، بعد تقييم مدى التزامهم بالقوانين والمؤسسات الوطنية.

ويشكل توقيت العفو، المرتبط بذكرى وثيقة المطالبة بالاستقلال، تذكيراً بأن العدالة والمصالحة جزء أصيل من بناء المجتمع، وأن الفرصة الثانية ليست مجرد اختيار إنساني، بل ممارسة لمبادئ العدالة المتوازنة.

وبحسب البلاغ الرسمي الصادر عن وزارة العدل، شمل العفو 1371 شخصاً محكوماً عليهم في قضايا متنوعة، إضافة إلى 15 نزيلاً مدانين في قضايا التطرف والإرهاب، بعد إعلانهم مراجعة مواقفهم الفكرية والالتزام بثوابت الأمة ونبذ العنف والتطرف. وتنوعت أشكال العفو بين إسقاط ما تبقى من العقوبة، أو تخفيضها، أو العفو عن الغرامات، بما يعكس الدقة في التقدير القانوني ومرونة التعامل مع الحالات المختلفة.

وتوزع المستفيدون بين نزلاء في حالة اعتقال وعددهم 1157 شخصاً، شمل 23 منهم إسقاط ما تبقى من العقوبة، و1133 نزيلاً خفّضت مدة حكمهم، فيما تم تحويل السجن المؤبد إلى محدد في حالة واحدة. أما المحكوم عليهم في حالة سراح وعددهم 214 شخصاً، فقد شملهم العفو بصيغ متنوعة، تراوحت بين إسقاط العقوبة الحبسية أو الغرامات، أو الجمع بين العقوبتين، بما يتيح لهم استئناف حياتهم اليومية وفق ظروف كل حالة.

ويكتسي البعد الإنساني للعفو أهمية خاصة، إذ شمل مجموعة من المحكومين في قضايا التطرف والإرهاب، وعددهم 15 نزيلاً، بعد إعلانهم رسمياً مراجعة مواقفهم الفكرية والتشبث بثوابت الأمة والمؤسسات الوطنية. وقد استفاد تسعة منهم من إسقاط ما تبقى من العقوبة السالبة للحرية، فيما شمل التخفيض ستة آخرين، في خطوة تعكس منح فرصة حقيقية للتغيير والاندماج، وإعادة تأهيل الفرد ليصبح عنصراً فاعلاً في المجتمع.

وتأتي هذه المبادرة الملكية في توقيت رمزي يرتبط بذكرى وطنية مفصلية، لتؤكد أن العدالة في المغرب لا تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل تحمل بعداً إنسانياً واجتماعياً، يسمح لمن أبدوا استعدادهم للالتزام بالقانون والانخراط الإيجابي باستئناف حياتهم ومساهمتهم في المجتمع. وهو ما يعكس رؤية متكاملة للسياسة الجنائية، تقوم على الدمج بين الحزم القانوني وإتاحة الفرصة الثانية، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويرسخ مبادئ التسامح والاعتدال.

وبالإضافة إلى البعد الإنساني، يبرز العفو الملكي مقاربة إصلاحية تراعي الدور الاجتماعي للفرد، إذ يعتبر السجن مرحلة مؤقتة ضمن مسار الإصلاح، ويتيح للمستفيدين من العفو فرصة التحول من عناصر مقيدة إلى أفراد قادرين على الإسهام البناء في التنمية والاستقرار. كما تؤكد المبادرة على أن العدالة في المغرب ليست مجرد ردع، بل أداة لإعادة الدمج الاجتماعي والتأكيد على القيم الوطنية.