عمار بنحمودة: سقط من الإسلام السياسي إسلامه وبقيت سياسته

المفكر التونسي يرى أن الصّدام يظلّ قابلاً للتجدّد ما لم تتّسع دوائر تأويل الحرّية لاستيعاب المقدّس.


الحاجة الوجوديّة إلى الدّين تُبقي حيّزاً للذات الإنسانيّة


غموض معنى الحرّية كامن في بعدها التاريخي

تعدّدت المقاربات التي تناولت مسألة الحريّة وتنوّعت منطلقاتها المعرفيّة وخلفيّاتها الفكريّة. وظلّ مفهوم المقدّس محور كثير من المؤلفات التي أسّست به شرعيّتها أو اشتغلت به موضوعا لدرسها. ولكن قليلاً ما تناول الدّارسون مسألة الصّدام بين الحريّة والمقدّس تناولا حضاريّا ينزّل الموضوع في إطار تاريخيّ محدّد ويتّخذ من تاريخ تونس وحاضرها أرضيّة لمقاربة المسألة وتفكيكها. 
فقد كان هاجس كثير من المؤرخين والباحثين دراسة خصائص تجربة "خير الدّين التونسيّ" الإصلاحيّة. وتناول البعض منهم بالدّرس دعوة "الطّاهر الحدّاد" إلى الحريّة النسويّة في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع". وحللّ البعض الآخر طابع الحكم وأوضاع المجتمع بعد الاستقلال وزمن بناء الدولة الوطنيّة. وفتنت "ثورة الرّبيع العربي" فريقا من المفكّرين ليحلّلوا واقعها ويستشرفوا آفاقها. ولكن نادراً ما تمّ الوصل بين هذه التجارب في كتاب واحد انطلاقا من إشكاليّة الصّدام بين الحريّة والمقدّس.
وهذا الكتاب "صدام الحرية والمقدس.. آفاق التأويل وسلطة التكفير" الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود يضع أرض أفريقيّا، أو تونس مثلما نسمّيها الآن، تاريخا وحاضرا أرضية  ومحور نظر، حيث رصد مؤلفه الباحث د. عمار بنحمودة عبر صفحات من تاريخها، ملامح الصّدام بين الحرّية والمقدّس، منتخبا لذلك حقباً تاريخيّةً تنتظم وفق خطّ زمنيّ يمتدّ من القرن التّاسع عشر وصولاً إلى حاضرنا المعيش، الذي لا يزال الواقع يكتب صفحاته، ومنتقيا عيّنات من أعلام وجماعات مثّلت نماذج متنوّعة تجسّد صراع المقدّس والحرّية؛ فمنها تجربة خير الدّين السياسيّة، ومحنة الحدّاد في الزيتونة دفاعاً عن شرعيّة حرّية المرأة، مروراً بتجربة بناء الدّولة في المرحلة الأولى من حكم الزعيم التونسيّ الحبيب بورقيبة، وصولاً إلى تجربة الإسلام السياسيّ، ورهاناتها التاريخيّة على المقدّس، في ظلّ عصر يتداول الحرّية في معاملاته الفكريّة والسياسيّة.  
ورأى بنحمودة أن تلك أربع محطّات، حاولنا بها اختزال الصّدام، وبيان وجوهه السياسيّة، والاجتماعيّة، والفكريّة، واتّخذنا لمقاربتها منطلقات علميّة، ورؤية تنزع إلى الموضوعيّة، بعيداً عن الاصطفاف في خانة المقدّس ضدّ دعاة الحرّية، أو في تيّار الحرّية ضدّ حماة المقدّس، والمدافعين عنه. ولكنّ قدر الموضوعيّة أن تكون نسبيّة، وذاك أمر طبيعيّ في ظلّ مقاربة تكون فيها الذّات جزءاً من الموضوع. فالانتماء إلى الوطن حقيقةٌ لا مفرّ منها، ورؤية الباحث أطراف الصّراع تدّعي الحياد، ولكن تسكنها روح الانتماء، التي قد تحدّ، نسبيّاً، من موضوعيّتها. 
وأكد بنحمودة أن ما يتوهّمه السّاسة من قدرة على توجيه المجتمع وتسييره، أنّى شاءت تصوّراتهم، يظلّ وهماً يضارع وهم النخبة الحالمة بقيادة الجماهير؛ ذلك أنّ للمجتمع تصوّراً لحريّته، ومجالاً لمقدّساته؛ فالإسلام الشعبيّ يمكن أن تتجلّى مظاهره في اللاوعي الجمعي، وفي تغلغل المقدّس في البنية النفسيّة للتونسي، وإن تحوّل الواقع، وسطت الحداثة على آخر معاقل المقدّس؛ فالحاجة الوجوديّة إلى الدّين تُبقي حيّزاً للذات الإنسانيّة؛ كي تعبّر عن ولعها الطفوليّ بالمقدّسات، فبمجرّد انهيار الأنظمة السياسيّة، التي كانت تفرض أنموذجاً محدّداً للحريّة والحداثة، سار المجتمع نحو أشكال التديّن القديمة، واتّخذ المسجد دوراً رئيساً في إعادة توزيع الأدوار السلطويّة في المجتمع، وتحوّل الخطاب الدّيني إلى السّاحات العامّة، واكتسح فضاءات الملاعب، والمدارس، والجامعات، وظهرت جماعات أصوليّة تستعيد الحلم القديم ببناء دولة الإسلام، وإقامة الخلافة الرّاشدة، ولكنّ تلك الأحلام ظلّت مجرّد شعارات لم تجد أسساً واقعيّة لتطبيقها، فضعف بريقها تدريجيّاً في مجتمع انفتح وعي أفراده على عالم سريع التحوّل، سماؤه مفتوحة، واقتصاده حرّ، وسياسته خاضعة لمنظومة عالميّة لا يمكن للدّولة، شأن الفرد، أن تعيش في عزلة عنه، أو أن تؤسّس تصوّراتها وبرامجها خارج دائرة الانتماء إليه. 
ولذلك وجدت حركات الإسلام السياسي نفسها مدفوعة إلى تعديل برامجها، وتغيير قبلتها السياسيّة من البحث عن تطبيق الشريعة الإسلاميّة إلى التمسّك بالشرعيّة السياسيّة القائمة على حكم الأغلبيّة. ولم تعد المقدّسات الدّينيّة سوى سلاح محدود المدى يقتصر حضوره على فضاء  المسجد، ويستحضره السّاسة في المناسبات الديّنيّة؛ فقد سقط من الإسلام السياسي إسلامه، وبقيت سياسته؛ وذاك ما قلب السّحر على السّاحر، وصيّر حركات الإسلام السّياسي الحاكمة تُدان بالتّهمة نفسها التي أدانت بها خصومها حكّام الأمس.  
ورأى أنّ صدام الحرّية والمقدّس قد أفضى إلى انتصار التّأويل على التكفير، فتوارت من السّاحة السياسيّة كلّ الأطراف المتشدّدة في فهم المقدّس، والمتشبّثة بأشكاله التقليديّة، وانتصرت الحرّية لتصير القاسم المشترك بين جميع الأحزاب، وتحوّلت مفاهيم المقدّس لتصطبغ بالهويّة القطريّة، وتتلوّن بحسب التوجّهات العالميّة للسياسة، ونشأت في البلاد التونسيّة تيّارات فكريّة امتلكت الجرأة على نقد الخطاب الديني، واستطاعت أن توسّع من دائرة فاعليّتها لتلج الفضاء التربوي، والبرامج الرسميّة. وعلى الرغم من أنّ تأثيرها قد ظلّ محدوداً، تظلّ آفاقها واعدة؛ إذ إنّها تمكّن من إيجاد آليّات لنقد سلطة المقدّس على الإنسان، واستطاعت كشف كثير من تناقضاته، فنشأ وعي جديد يرى في المقدّس قوّته الوجوديّة، وطاقته السحريّة على الفرد، ولكنّه يحدّ من قدرة بعض البشر على احتكاره وتحويله إلى آليّة سلطويّة لاستعباد الآخرين، وتسييرهم، واستلاب حرّيتهم. 
وما تونس إلا عينة لهذا الصدام، الذي يديره البشر، رغبةً في احتكار النطق باسم الإله، أو طمعاً في تحقيق الحرّية الإنسانيّة في معناها الشامل. وتظلّ التجارب السياسيّة والفكريّة، على تنوّعها في العالم العربي، محكومة بالصّدام بين روح الثبات والمحافظة، ورغبة البشر في الحرّية والتغيير؛ فطبيعة الصدام بين المقدّس والحرّية ناشئة من رحم الجدل بين الثابت والمتحوّل، التراث والمعاصرة؛ ولذلك تظلّ سعياً إلى إثبات كينونة الإنسان، وسؤالاً حارقاً حول هويّته تتنازعه ثنائيّة الوجود والعدم. 
وقال د. بنحمودة "لقد تكيّفت الحرّية مع طبيعة التحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة، التي شهدها العالم؛ فغموض معنى الحرّية كامن في بعدها التاريخي؛ إذ ارتبطت  بالتحديث زمن البحث عن الحفاظ على الكيان السلطوي المهدّد بالذوبان والتبعيّة، وقد تعلّقت بالكفاح ضدّ المستعمر، حين كانت معظم الأقطار العربيّة مستعمرة، واختلفت رهاناتها باختلاف التوجّهات السياسيّة للدّول الوطنيّة، التي تضخّمت سلطتها على حساب المجتمع المدنيّ. وبقيام «الثورات العربيّة»، صارت الحريّة مدّاً ثوريّاً وبناءً ديمقراطيّاً لعلّه يعيد التوازن إلى العلاقة بين الدّولة والمجتمع، وأضحى رهانها تحقيق الديمقراطيّة وضمان كرامة المواطن. وليس معنى المقدّس بأقلّ غموضاً؛ إذ كان بدوره مفهوماً تاريخيّاً متحوّلاً بتحوّل التمثّل الإنسانيّ للكون؛ فصدامه مع قيم الحرّية كان سائداً حين استبدّ الوعي بسوء سمعة الحرّية، وأصلها الغربي والاستعماريّ، ولكنّ الصّدام شهد هدنة بعد أن فكّر البشر بفعل حركة التّاريخ في حقيقة العلاقة بين المقدّس والحرّية".  
وأشار إلى أن هذا الوعي قد بلغ حدّ الاستبدال، فهيمنت فكرة الحرّية على المقدّس، حين تحوّلت بدورها إلى قدس الأقداس، وما الإسلام السياسيّ سوى أنموذج في تونس لتحوّل العلاقة بين المقدّس والحريّة من الصّدام والتكفير إلى اتّساع دوائر التأويل، فقدر التكفير أن ينحسر، إلى حدّ ما، في ظلّ الانغلاق اللاهوتي، واعتماد الجماعات المؤمنة بهذا الخيار سلاح العنف. وقدر الحريّة أن تصير عملة عالميّة يتداولها جميع البشر، وتروّجها العولمة العابرة للحدود، ولكنّ الصّدام يظلّ قابلاً للتجدّد ما لم تتّسع دوائر تأويل الحرّية لاستيعاب المقدّس، فالبعد الإنسانيّ للحرّية يجعلها مفهوماً قابلاً لاستيعاب الاختلاف البشريّ وتقنينه. والمقدّس، بدوره، يمكن أن يصير قابلاً للتطوّر، وتحقيق إنسانيّة الإنسان، متى تغيّرت مقاصده السلطويّة، وفهم الناطقون بلسانه حدود نفوذهم على البشر؛ فإنسانيّة الإنسان تتطلّب تغييراً في السّلطة المقدّسة، وتنازلاً يضاهي التنازلات الديمقراطيّة، التي قدّمتها الدّولة للمجتمع المدنيّ بعد التحوّلات السياسيّة في الوطن العربي، في واقع يستغلّ فيه رعاة المقدّس، في بنيته التقليديّة، ما شهده الواقع من تحوّلات .
وختم بنحمودة أن عاصفة المقدّس، التي اجتاحت تونس، بدأت تهدأ، بعد سنوات من التحوّل الديمقراطي، وانحسرت الحركات الإرهابيّة المتحصّنة بالجبال، حين لم تجد سنداً شعبيّاً، واستعادت الدّولة بعض عافيتها لتتحكّم في الشأن الدّيني رقابةً للمساجد المنفلتة عن سلطتها، وإقصاء لدعاة العنف والإرهاب حسب تقديرها، وبدأت مسالك الهجرة تضيق أكثر على الحالمين بالهجرة والجهاد، ولكنّ المقدّس يظلّ مادّة سريعة الالتهاب في ظلّ تفاقم أوضاع البطالة، وغياب الحلول العقلانيّة للأزمات الاجتماعيّة، وضعف الحصانة الفكريّة؛ ففئة كبيرة من الشباب لا تزال وقوداً للحركات الجهاديّة المؤمنة بالعنف. 
وسحر المقدّس يمكن أن يتجدّد إذا ما تواصل انسداد الآفاق، والحريّة بضاعة هشّة يمكن أن يتداعى صرحها متى لم تجد في المجتمع سنداً لها؛ فهي ليست مجرّد هياكل سياسيّة ترتبط بشفافيّة الانتخابات، وحقّ المواطن في الاقتراع الحرّ والمباشر فحسب، وإنّما هي ثقافة تحتاج إلى إيمان فعليّ بالحرّية، ورسوخ اليقين بحقّ الآخر في الاختلاف. وما الهزّات، التي شهدتها الديمقراطيّة في بداية المسار الانتقالي، سوى دروس يجب أن تنبّه إلى خطورة الانزلاق وراء خيار العنف، أو الاستهتار بدور الدولة في مجتمعاتٍ لا تزال في حاجة إلى استيعاب الثقافة الدّيمقراطيّة، والإيمان بجدوى الحرّية.