غروسي يعود من طهران خالي الوفاض.. وواشنطن لن تبقى مكتوفة الأيدي
فيينا/واشنطن - أعلن مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي اليوم الأربعاء "عدم التمكن من التوصل إلى اتفاق" في المحادثات مع إيران، فيما يثير تقدم إيران في برنامجها النووي وتقييد عمليات التفتيش قلق المجتمع الدولي، بينما حذّرت واشنطن طهران من أنها لن تبقى مكتوفة الأيدي إذا استنزفت المحادثات النووية.
وقال غروسي الذي عاد قبل يوم إلى طهران "كانت المحادثات بنّاءة، لكننا لم نتمكن من التوصل إلى اتفاق رغم كلّ جهودي"، في اليوم الأول من اجتماع مجلس محافظي الوكالة في فيينا.
وكان يأمل في إحراز تقدم حول عدة مواضيع خلافية، لكن محادثاته في طهران انتهت دون أن يحرز أي تقدم في ما يتعلق بعدد من النقاط الخلافية التي من أجلها زار طهران.
إلا أن بهروز كمالوندي المتحدث باسم هيئة الطاقة الذرية الإيرانية قال اليوم الأربعاء إن بلاده اتفقت مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة على مواصلة المشاورات.
وأضاف "أجرى رئيس الوكالة رافائيل غروسي والمسؤولون الإيرانيون المحادثات في جو إيجابي في طهران وتوصل الجانبان إلى اتفاق عام بخصوص كيفية متابعة القضايا التي تهم الجانبين".
وتعتبر هذه التصريحات مغرقة في العموميات ومناقضة لما جاء على لسان غروسي، ما يشير بكل وضوح إلى سياسة المماطلة التي باتت تنتهجها إيران في الأشهر الأخيرة لتمطيط وتمديد الأزمة ومن ثمة المضي في تصعيد انتهاكاتها النووية بشكل لا يتيح فرصة لوقف خروقاتها.
وكانت واشنطن وعواصم غربية قد حذّرت من نفاذ الوقت ومن مرحلة قد يصعب معها المضي في المحادثات الدبلوماسية النووية.
وأبدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قلقها من القيود المفروضة على عمل مفتشيها منذ فبراير/شباط من قبل الحكومة الإيرانية "ما يعرقل بجدية" أنشطة التحقق التي تقوم بها، بحسب تقرير صدر أخيرا.
وهناك مسألة أخرى عالقة وتتمثل في وضع أربعة مواقع غير معلنة رصدت فيها مواد نووية، ما يطرح مشكلة أيضا.
وبحسب الوكالة فإن معاملة المفتشين تثير قلقا أيضا حيث تعرض عدد منهم "لتفتيش مبالغ به من قبل عناصر أمن".
وقال غرونسي إن كلّ دولة تتعهّد قانونيا "بحماية عناصر الأمن من أي تخويف، لكن زملاءنا الإيرانيين اتّخذوا سلسلة من الإجراءات التي تتعارض ببساطة مع هذا"، مشيرا إلى أن "الموضوع قد تمّ التطرق إليه" متمنيا "ألّا تتكرّر حوادث شبيهة".
والتقى غروسي الذي وصل مساء الاثنين إلى طهران، رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية محمد إسلامي ووزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان.
لكن بسبب نتيجة المشاورات، ألغى في اللحظة الأخيرة تصريحا صحافيا كان مرتقبا مساء الثلاثاء عند عودته إلى مطار فيينا.
وحذر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية قائلا "نحن نقترب من النقطة التي لن أتمكن فيها بعد الآن من ضمان استمرارية المعلومات" حول البرنامج النووي الإيراني.
لكن ذلك يشكل عنصرا أساسيا في الاتفاق الدولي حول الملف النووي الإيراني الذي أبرم عام 2015 في فيينا وباتت مفاعيله في حكم اللاغية منذ 2018، عندما انسحبت الولايات المتحدة منه أحاديا في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب وأعادت فرض عقوبات قاسية على إيران.
وأتاح الاتفاق رفع العديد من العقوبات التي كانت مفروضة على طهران مقابل الحد من أنشطتها النووية وضمان سلمية برنامجها، مع برنامج تفتيش من الوكالة الدولية يعد من الأكثر صرامة في العالم.
وردا على العقوبات الأميركية، بدأت إيران عام 2019 بالتراجع تدريجا عن تنفيذ العديد من التزاماتها الأساسية بموجب الاتفاق. وفي حين تتهم الدول الغربية الجمهورية الاسلامية بـ"انتهاك" الاتفاق من خلال هذا التراجع، تؤكد طهران أن خطواتها "تعويضية" بعد الانسحاب الأميركي.
وأعلن الرئيس الأميركي جو بايدن استعداده للعودة إلى الاتفاق، شرط عودة إيران للالتزام بالقيود المفروضة على برنامجها النووي.
وتوعدت الولايات المتحدة الثلاثاء، إيران بأنها لن تبقى مكتوفة الأيدي في حال لم تعمل طهران سريعا على العودة إلى طاولة المحادثات حول برنامجها النووي التي تستأنف الأسبوع المقبل.
وجاء ذلك على لسان المبعوث الأميركي المكلّف بالملف الإيراني روب مالي الذي قال في تصريح للإذاعة الوطنية "إذا قرروا (الإيرانيون) عدم العودة للاتفاق، سيتعين علينا أن ننظر في وسائل دبلوماسية أخرى"، مؤكدا أن الولايات المتحدة "لن تكون مستعدة للوقوف مكتوفة الأيدي" إذا استنزفت إيران المحادثات في فيينا.
وتُستأنف الاثنين المقبل في فيينا المحادثات بين إيران والدول الكبرى سعيا لإحياء الاتفاق المبرم مع طهران حول برنامجها النووي بعد توّقف دام خمسة أشهر إثر انتخاب المحافظ المتشدد إبراهيم رئيس رئيسا للجمهورية الإسلامية.
وكانت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن قد شاركت بشكل غير مباشر في المحادثات في وقت سابق من العام الحالي على أمل إعادة إحيائه بعدما كان الرئيس السابق دونالد ترامب قد سحب واشنطن منه، لكن مساعي الإدارة الأميركية للتوصل إلى تفاهم مع إيران لم تثمر حتى الآن.
وقال مالي "نحن جاهزون للعودة إلى التقيّد ببنود الاتفاق ورفع كل العقوبات التي تتعارض معه. إذا أرادت إيران العودة إلى الاتفاق لديها المجال لذلك".
وتابع "إذا كانت إيران لا تريد العودة إلى الاتفاق، وإذا واصلت ما يبدو أنها تفعله حاليا أي استنزاف المحادثات الدبلوماسية حول النووي وسرّعت وتيرة برنامجها النووي، إذا اختارت هذا المسار، سيتعين علينا أن نرد وفقا لذلك".
والمحادثات تجرى بشكل غير مباشر إذ يتولى موفد الاتحاد الأوروبي التواصل مع كل من مالي والوفد الإيراني الذي يرفض لقاء ممثل الولايات المتحدة وجها لوجه.
وتطالب إيران برفع كل العقوبات المفروضة عليها، لكن إدارة بايدن تصر على أنها تبحث حصرا في رفع التدابير التي فرضها ترامب في إطار انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، بما في ذلك الحظر الأميركي الشامل على بيع الصادرات النفطية الإيرانية.
وتشن إسرائيل التي عارضت الاتفاق المبرم في العام 2015 في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما حملة ضد إيران وتهدد بضربة عسكرية للجمهورية الإسلامية.
وسبق أن تطرّق وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن إلى "خيارات بديلة"، إلا أن مالي شدد في المقابلة الثلاثاء على أن الخيارات المطروحة في المقام الأول هي الضغوط الاقتصادية.