غزة تحت الوصاية الدولية بعد اقرار مجلس الأمن لخطة ترامب
نيويورك/غزة - يبدو أنّ تبنّي مجلس الأمن الدولي لمشروع القرار الأميركي الداعم لخطة الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة لا يمثل مجرد خطوة إجرائية أو ضغطًا دوليًا ظرفيًا، بل يؤشر إلى مرحلة جديدة في طريقة تعامل القوى الكبرى مع مستقبل القطاع، وإعادة صياغة التوازنات الإقليمية، وترسيم مسارات الحكم والسلطة بما يترك بصمة أميركية في صناعة مستقبل القطاع المدمر، لكن على المقاس الإسرائيلي – الأميركي.
وكان مجلس الأمن قد أقر في وقت متأخر من مساء الاثنين مشروع القرار الذي صاغته واشنطن، والذي يمنح غطاءً أممياً لخطة ترامب ذات البنود العشرين، بعد أن كانت إسرائيل وحماس قد وافقتا الشهر الماضي على مرحلتها الأولى. وتقوم هذه المرحلة على وقف لإطلاق النار بعد حرب استمرت عامين، وتبادل إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين مقابل سجناء فلسطينيين.
وهذا الإقرار يمنح الخطة الأميركية شرعية دولية لم تكن متوفرة سابقًا، خصوصًا أنه يجيز إرسال قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة، ويمنح هذه القوة دورًا في نزع السلاح وإعادة ترتيب البيئة الأمنية والاقتصادية والسياسية داخل القطاع.
ويتضمن القرار إنشاء ما يسمى بـ"مجلس السلام"، وهو هيئة انتقالية تشرف على إعادة إعمار غزة وتنظيم عملية التعافي الاقتصادي. ورغم أن الولايات المتحدة تصفه كآلية لإعادة بناء القطاع، فإن كثيرين يرونه إطارًا سياسيًا جديدًا يعيد تشكيل إدارة غزة، ويضعها تحت وصاية دولية–أميركية بصورة أو بأخرى.
وقدم السفير الأميركي مايك والتز القرار باعتباره "مسارًا محتملاً لتقرير المصير الفلسطيني"، وهو خطاب يحمل مزيجًا من الإيحاءات الوعودية والضوابط الصارمة، ويهدف قبل كل شيء إلى تفكيك سلطة حماس عبر أدوات دولية لا عبر القوة العسكرية وحدها.
واللافت في جلسة التصويت أن روسيا والصين امتنعتا عن التصويت ولم تعارضا القرار رغم الانتقادات الحادة التي وجهتها موسكو، معتبرة أن القرار يمنح واشنطن "سيطرة كاملة" على مستقبل غزة، بينما يوحي الامتناع الروسي–الصيني بأن العاصمتين لا ترغبان في مواجهة مباشرة مع المسار الأميركي الجديد، خصوصاً في ظل موافقة السلطة الفلسطينية، التي شكّلت عاملاً حاسمًا في منع موسكو من استخدام الفيتو.
في المقابل، رحبت السلطة بالقرار ورأت فيه فرصة لإعادة الحياة الطبيعية إلى غزة وإطلاق عملية إعادة الإعمار، لكن داخل إسرائيل بدت الساحة منقسمة، فالقرار يفتح الباب لحديث صريح عن إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلاً، وهو ما يرفضه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشدة تحت ضغط شركائه اليمينيين، مؤكّدًا أن نزع سلاح غزة سيتم "بالطريقة السهلة أو الصعبة".
ولم يكن رفْض حماس للقرار شكليًا، بل يعكس جوهر الخلاف حول شكل اليوم التالي للحرب، فالحركة اعتبرت أن القرار "يفرض وصاية دولية على غزة"، وأن تكليف القوة الدولية بنزع سلاح المقاومة يعني تحويلها إلى "طرف في الصراع". وهذا يضع احتمالية مواجهة مستقبلية بين القوة الدولية وبين فصائل المقاومة على طاولة النقاش، ما يجعل خطط الاستقرار الأميركية محفوفة بتحديات ميدانية معقّدة.
ويفتح تبنّي القرا يفتح الباب أمام عدة تحولات تشمل تحويل غزة إلى ساحة نفوذ دولي مباشر، وهو أمر لم يحدث منذ عقود، ما يعيد صياغة العلاقة بين الاحتلال والقطاع وفق أدوار جديدة. كما يعيد هندسة البيت الفلسطيني عبر تعزيز دور السلطة في غزة تحت عباءة دولية، وإضعاف نفوذ حماس ضمن عملية سياسية قيد التشكل.
ومن التحولات المحتلة أيضا أنه قد يقلص دور القوى الإقليمية التي دعمت أحد طرفي الصراع، عبر فرض إطار دولي يُدار من واشنطن إضافة إلى إعادة تعريف "نزع السلاح" كشرط للانتقال السياسي، بما يربط بين الأمن وإعادة الإعمار، ويجعل المساعدات الدولية أداة ضغط.
ووصف الرئيس الأميركي التصويت بأنه "لحظة تاريخية"، معلنًا عن قرب الكشف عن أعضاء مجلس السلام، لكن رغم الترحيب، لا تزال آليات تنفيذ الخطة غير واضحة، كما حذر السفير الروسي، ولا تزال البيئة الميدانية في غزة شديدة التعقيد.
ويؤسس القرار لنقطة تحوّل في مسار الحرب وفي مستقبل غزة، لكنه لا يقدم ضمانات حقيقية لنجاحه، فبين رفض حماس، وتردد إسرائيل، والتنافس الدولي المكتوم، ورهانات السلطة الفلسطينية، يبدو أن التنفيذ سيكون اختبارًا أصعب بكثير من التصويت.
ويفتح القرار بابًا للتهدئة، لكنه لا يرسم الطريق بالكامل. وما سيحدث في الأسابيع المقبلة خصوصًا بعد تشكيل القوة الدولية والإعلان عن مجلس السلام، سيحدد ما إذا كانت غزة على أعتاب نهاية الحرب أم على بداية مرحلة جديدة من الصراع بصيغ مختلفة.