'فتح' ترفض أي إدارة لغزة خارج عباءة السلطة الفلسطينية

حركة فتح تحذر من أن يؤدي تجاوز السلطة في رام الله في تشكيل ''لجنة تكنوقراط''، إلى التعامل مع غزة كوحدة سياسية منفصلة.

رام الله – وضعت حركة "فتح" اليوم الاثنين شروطا لشكل الإدارة المستقبلية لقطاع غزة، في خطوة تعكس مخاوف عميقة لدى القيادة الفلسطينية من انزلاق القطاع نحو انفصال سياسي وجغرافي دائم. ويأتي هذا الإصرار "الفتحاوي" في وقت يتقاطع فيه "فيتو" إسرائيلي مع فجوة ثقة لا تزال تراوح مكانها مع حركة "حماس"، مما يجعل ملف "اليوم التالي" للحرب ساحة لصراع إرادات معقد.

وشدد منذر الحايك، الناطق باسم حركة "فتح"، على أن موقف الحركة يرتكز على ضرورة أن تستمد أي "لجنة تكنوقراط" لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة شرعيتها الكاملة من السلطة الفلسطينية، وبإشراف مباشر من وزير في الحكومة.

هذا الموقف ليس مجرد إجراء إداري، بل هو "دفاع استراتيجي" عن وحدة الكيان الفلسطيني؛ إذ حذر الحايك من أن تجاوز مرجعية السلطة الوطنية سيكرس واقع "الدويلة المستقلة" في غزة، ويقطع خيوط الاتصال السياسي مع الضفة الغربية، مما يخدم بشكل مباشر الأجندات الرامية لتصفية المشروع الوطني.

وفي رسالة مباشرة لغريمتها السياسية، اعتبرت "فتح" أن المخرج الوحيد للأزمة هو توجه المكتب السياسي لحركة "حماس" إلى القاهرة للإعلان بوضوح أمام الوسطاء عن الالتزام بالشرعية الفلسطينية ورفض أي صيغة إدارية موازية.

ورغم أن حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية أبدت مرونة تكتيكية بقبول فكرة "اللجنة" بدلاً من التمسك بالحكم المباشر، إلا أن التحليلات تشير إلى وجود "معضلة ضمانات"؛ فالحركة تسعى لهيكل إداري يضمن حمايتها من "التصفية السياسية" أو التهميش الأمني، بينما تصر "فتح" على أن يكون الانضواء تحت لواء منظمة التحرير هو "جواز المرور" الوحيد لأي دور مستقبلي.

وبموازاة هذا التجاذب الداخلي، تصطدم رؤية السلطة الفلسطينية بواقع ميداني وسياسي تفرضه إسرائيل. فقد كرر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رفضه القاطع لما أسماه استبدال "حماس - ستان" بـ "فتح - ستان"، في إشارة واضحة لرفض عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع.

ويتبنى اليمين المتطرف في إسرائيل إستراتيجية تهدف إلى تفكيك الرابط القومي من خلال منع أي تواصل سياسي أو إداري بين غزة والضفة لوأد فكرة الدولة المستقلة، كما يسعى إلى إيجاد جهات أو عشائر محلية "لا انتماء لها" لإدارة الشؤون المدنية، وهو ما تعتبره السلطة الفلسطينية إعادة إنتاج لمشاريع فاشلة مثل "روابط القرى".

ويعد تحذير حركة "فتح" من التعامل مع غزة كـ"وحدة سياسية منفصلة" جوهر الأزمة الراهنة. ففي ظل غياب اتفاق فلسطيني - فلسطيني تحت مظلة السلطة، تبرز سيناريوهات قاتمة من بينها تشكيل إدارة دولية أو إقليمية مؤقتة تتعامل مع القطاع كـ"منطقة منكوبة" بعيداً عن التمثيل السياسي، مما يضعف الجبهة الوطنية.  كما تتوجس السلطة الفلسطينية من خلق كيان إداري لغزة مستقل مالياً وسياسياً عن رام الله، وهو الكابوس الأكبر لمنظمة التحرير.

ويعتبر إصرار "فتح" على "الوزير والمرجعية" محاولة لربط مصير غزة بالحل السياسي الشامل، في وقت تواجه فيه السلطة الفلسطينية في رام الله تحدياً أخلاقياً وسياسياً يتمثل في "أزمة الشرعية" الشعبية. فبينما تطالب بإدارة غزة، تشير استطلاعات الرأي والواقع الميداني إلى تراجع كبير في شعبيتها.

ورغم المطالبات الدولية، خاصة الغربية، بضرورة تنشيط السلطة وإصلاح أجهزتها، إلا أن التغييرات بقيت شكلية ولم تلمس جوهر البنية البيروقراطية أو مكافحة الفساد.

وتعيش القيادة في رام الله أزمة مالية خانقة، جعلتها عاجزة حتى عن دفع رواتب موظفيها في الضفة بانتظام، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف ستدير سلطة "مفلسة" مالياً قطاعاً مدمراً يحتاج لمئات المليارات لإعادة الإعمار؟

كما تتعرض لانتقادات حادة بسبب استمرارها في "التنسيق الأمني" مع إسرائيل، ما جعلها تبدو في نظر قطاع من الفلسطينيين كـ"أداة وظيفية" لا تملك سيادة حقيقية، خاصة مع عجزها عن حماية مدن ومخيمات الضفة الغربية من الاقتحامات اليومية وهجمات المستوطنين.