'فرحة مصر' زفاف جماعي يعيد هندسة التكافل المجتمعي
أحسب أن الأمم تُقاس أحيانًا بما تبنيه من طرق ومصانع ومدن، غير أن مقياسًا آخر أكثر عمقًا وأشد اتصالًا بروح المجتمع يظل حاضرًا في صمت؛ ذلك المقياس الذي يُرى في مقدار ما تمنحه الأمة لأبنائها من طمأنينة، وفي قدرتها على أن تجعل الفرح شأنًا عامًا لا متاعًا فرديًا عابرًا. ومن هنا يجيء الحديث عن مبادرة «فرحة مصر» حديثًا يتجاوز وصف احتفال اجتماعي أو مناسبة موسمية، فنحن أمام تجربة تفتح بابًا للتأمل في العلاقة بين الدولة والأسرة، وبين المجتمع والشباب، وبين الاقتصاد وأحلام الناس الصغيرة التي تتكاثر في البيوت والأزقة والقرى، ثم تنتهي إلى سؤال قديم يتجدد مع كل جيل: كيف يبدأ الإنسان حياته في زمن تثقل فيه الأعباء وتتعقد فيه الشروط؟ .
ظهرت مبادرة ''فرحة مصر'' تحت رعاية السيدة الأولى، فبدت كأنها محاولة للاقتراب من تلك المسافة الفاصلة بين الحلم والواقع، بين الرغبة في الزواج والخشية من أعبائه. المبادرة التي احتضنت ألف عريس وعروس في احتفالية كبرى أقيمت في استاد القاهرة الدولي خلال مايو/آيار من عام 2026 لم ترد أن تكون حفلًا للزينة العابرة، فقد حملت في بنيتها معنى أوسع يتعلق بالتكافل الاجتماعي وإعادة الاعتبار لفكرة الشراكة بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص من أجل دعم الشباب في لحظة تأسيس الأسرة.
وليس خافيًا أن قضية الزواج في العموم ترتبط بواقع اقتصادي ضاغط. ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتكاليف تأسيس المنزل، وما يرافق ذلك من التزامات اجتماعية متوارثة، جعلت كثيرًا من الشباب يقفون أمام أبواب المستقبل مترددين. ثم جاءت مؤشرات اجتماعية مقلقة، من بينها تصاعد معدلات الطلاق، لتكشف أن الأزمة أعمق من مجرد ضيق اقتصادي؛ فهي أزمة استعداد نفسي وثقافة أسرية وتوازن اجتماعي يحتاج إلى مراجعة ومساندة في آن واحد.
ومن هنا تكتسب "فرحة مصر" أهميتها؛ فهي لم تُبنَ على تصور يرى الزواج صفقة مالية تحتاج إلى معونة مادية فحسب، وإنما انطلقت من فهم أكثر اتساعًا يربط بين الدعم الاقتصادي والتأهيل الإنساني، ويجعل من الأسرة مشروعًا للحياة لا مناسبة احتفالية تنقضي مع انطفاء الأضواء.
وفي قلب هذه المبادرة حضرت السيدة انتصار السيسي بحضور تجاوز المجاملة الرسمية إلى معنى إنساني واضح. فمنذ اللحظة التي شاركت فيها الشباب فرحتهم، بدا المشهد أقرب إلى رسالة وجدانية منه إلى بروتوكول سياسي. وقد عبّرت عن مشاعرها بكلمات حملت دفئًا خاصًا حين تحدثت عن سعادتها كما تسعد الأم بزفاف ابنتها، فالتقط الناس من عبارتها معنى الرعاية الذي تحتاج إليه المجتمعات في زمن القلق.
وكان حضورها يحمل إيقاعًا خاصًا:
حين تمشي الأم في ممرات الفرح
تخف وطأة الأيام عن القلوب،
ويصير الزفاف أكثر من عقد بين اثنين،
يصير وعدًا بأن البيوت التي تُفتح على النور
تجد من يشاركها الدعاء والرجاء.
في تلك اللحظة بدا المشهد المصري وكأنه يستعيد صورة قديمة للدولة القريبة من شعبها، الدولة التي ترى في أفراح أبنائها جزءًا من صورتها الأخلاقية أمام نفسها قبل الآخرين. ولم يكن هذا الحضور معزولًا عن سياق أوسع تتزايد فيه مشاركة السيدة انتصار السيسي في المبادرات ذات الطابع الاجتماعي والإنساني، حيث يتداخل الرمز مع الفعل، ويتحول الدعم المعنوي إلى طاقة تشجع المؤسسات والجمعيات والأفراد على توسيع دائرة المشاركة.
وقد اكتسبت المبادرة قوة إضافية من خلال الشراكة مع مؤسسة النداء، المبادرة المصرية للتنمية المتكاملة، التي ترأس مجلس أمنائها الدكتورة هبة حندوسة. هذه المؤسسة لم تدخل إلى "فرحة مصر" من باب التنظيم الإداري وحده، بل حملت معها رؤية تنموية تربط بين الجمال والعمل والحرفة والتراث.
فقد تولت المؤسسة تصميم وتصنيع عدد كبير من فساتين الزفاف للعرائس المشاركات، وهي خطوة قد تبدو في ظاهرها تفصيلًا احتفاليًا، غير أنها في جوهرها تعبير عن فلسفة تنموية دقيقة. الفساتين خرجت من ورش المؤسسة في محافظة قنا، وصاغتها بأيديهن سيدات وفتيات تلقين تدريبات على الخياطة والتطريز والنول الفرنسي، فتحول الثوب الأبيض إلى قصة أخرى عن التمكين الاقتصادي والحفاظ على المهارة اليدوية وإحياء التراث المحلي.
هنا تتداخل الحكايات؛ عروس تستعد لليلة العمر، وامرأة من صعيد مصر تنسج بيديها ثوبًا يحمل رزقها وكرامتها، ومؤسسة تنموية ترى أن الفرح يمكن أن يصنع دورة إنتاج لا تنتهي عند حدود المناسبة. وقد حرصت المؤسسة على تقديم تصميمات أنيقة وخامات عالية الجودة وتطريزات دقيقة، فكان المشهد في استاد القاهرة لوحة تجمع بين البهجة والهوية المصرية.
ولم يتوقف دور المؤسسة عند هذا الحد، إذ شاركت في التنسيق الميداني واختيار المستفيدات بالتعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي، مع اهتمام خاص بالمناطق الأكثر احتياجًا، خاصة في محافظات الصعيد، كما أسهمت في متابعة تجهيزات العرائس وضمان وصول المساعدات العينية في الوقت المناسب، فضلًا عن دعم ورش التأهيل المرتبطة ببرنامج "مودة".
وهنا نصل إلى جوهر آخر من المبادرة. فقد أطلقت وزارة التضامن الاجتماعي «فرحة مصر» من منطلق يستهدف تخفيف الأعباء عن الشباب المقبلين على الزواج، مع توجيه الدعم إلى الفئات الأولى بالرعاية. وشملت هذه الفئات الأسر محدودة الدخل والمستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية، إلى جانب الأيتام وذوي الإعاقة القادرين على تكوين أسر مستقرة.
وقد وُضعت شروط محددة لضمان العدالة والشفافية، من بينها أن يكون الزواج الأول للطرفين، وألّا يكون المستفيد قد حصل سابقًا على دعم مماثل، مع اشتراط الجنسية المصرية والسن القانونية للزواج. هذه المعايير لم تُصغ من باب التعقيد الإداري، وإنما جاءت محاولة لضمان وصول الدعم إلى من يحتاجونه حقًا.
وكان الدعم نفسه متعدد الأبعاد؛ تجهيزات منزلية وأجهزة أساسية ومستلزمات تساعد الأزواج على بدء حياتهم، وهو دعم يحمل قيمة اقتصادية واضحة في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة. غير أن الرؤية التي تحكم المبادرة لم تتوقف عند حدود الأثاث والأجهزة، إذ أدرك القائمون عليها أن البيت لا يُبنى بالخشب والمعدن وحدهما، وإنما يقوم كذلك على الفهم والرحمة وحسن المشاركة.
ومن هنا جاء برنامج "مودة" جزءًا أصيلًا من المبادرة، لا ملحقًا ثانويًا بها. فهذا البرنامج ينطلق من إدراك أن كثيرًا من الاضطرابات الأسرية تنبع من غياب التأهيل النفسي والاجتماعي وضعف مهارات التواصل بين الزوجين. لذلك صُممت ورش العمل والدورات التدريبية لتناول طبيعة العلاقة الزوجية وإدارة الخلافات والتخطيط المالي والتربية الإيجابية وفهم الذات والشريك.
كان الهدف أن يدخل الشاب والفتاة إلى الحياة الزوجية وهما يحملان معرفة تساعدهما على عبور بدايات الحياة المشتركة بثقة أكبر. فالحياة الزوجية ليست قصيدة رومانسية خالصة، كما أنها ليست معركة يومية، إنما شراكة تحتاج إلى وعي وصبر ومهارة.
وقد اكتسب "مودة" أهمية خاصة في ضوء التحولات الاجتماعية الراهنة، إذ تشير الوقائع إلى أن الضغوط الاقتصادية وسوء التواصل وغياب الثقافة الأسرية تقف وراء نسبة معتبرة من حالات الانفصال. ولهذا فإن الاستثمار في التأهيل الأسري يبدو استثمارًا في استقرار المجتمع ذاته.
وتكشف «فرحة مصر» عن معنى آخر يتعلق بالتكافل الاجتماعي. فالمبادرة جمعت بين وزارات ومؤسسات حكومية وصندوق تحيا مصر وجمعيات أهلية ومبادرات مجتمعية، ومن بينها جمعية حنان الدنيا، في صورة تعكس إمكان الشراكة حين تتجه الإرادة نحو غاية مشتركة. وقد وصف مسؤولون هذا المشهد بأنه نموذج للتعاون من أجل إدخال البهجة إلى البيوت ودعم الأسر الجديدة، وهي عبارة تختصر جانبًا من فلسفة المبادرة.
فالفرح هنا يتحول إلى قيمة عامة:
ليس فرح بيت واحد،
ولا ضحكة عروس في زاوية بعيدة،
إنه ضوء يتسع كلما اتسعت القلوب،
وحين يضيء ألف بيت
تشعر مدينة كاملة أن الصباح أقرب.
وللمبادرة أثر اقتصادي غير مباشر كذلك. فتجهيز ألف منزل ينشط الصناعة المحلية والتجارة وحركة الأسواق، ويدعم إنتاج الأجهزة والمفروشات والخدمات المرتبطة بالزواج. وهكذا يتقاطع الاجتماعي مع الاقتصادي في صورة تعكس أن الإنفاق الاجتماعي يمكن أن يحمل مردودًا إنتاجيًا في الوقت نفسه.
ومع ذلك، فإن مثل هذه المبادرات تواجه تحديات تحتاج إلى تأمل جاد. فاستدامة التمويل تمثل قضية أساسية، خصوصًا مع اتساع أعداد المستفيدين المحتملين. ثم إن ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه يتطلب قواعد دقيقة وقواعد بيانات محدثة وآليات متابعة فعالة. وهناك أيضًا تحدي التغطية الجغرافية، إذ تظل الحاجة قائمة إلى توسيع نطاق المبادرات بحيث تصل إلى القرى والمناطق النائية بالقدر نفسه من الاهتمام.
وقد حاولت ''فرحة مصر'' التعامل مع هذه القضايا عبر تنوع مصادر التمويل والتنسيق مع المحافظات والجمعيات المحلية والاعتماد على معايير استحقاق واضحة، إلى جانب التفكير في قياس الأثر ومتابعة أوضاع المستفيدين بعد الزواج.
ويبقى الأثر النفسي أحد أكثر أبعاد المبادرة عمقًا. فالشاب الذي يشعر أن مجتمعه يسانده، وأن فرحه يحظى بالاحتفاء، يكتسب قدرًا من الثقة والانتماء والأمل. والعروس التي تدخل إلى يوم زفافها وقد أزيحت عن كاهل أسرتها أعباء ثقيلة، تحمل إلى بيتها شعورًا مختلفًا تجاه المجتمع والوطن.
لهذا كله تبدو ''فرحة مصر'' أبعد من مناسبة عابرة. إنها محاولة لقول شيء عن مصر نفسها؛ عن مجتمع ما زال يؤمن بأن التراحم ضرورة، وأن بناء الأسرة جزء من بناء الوطن، وأن الفرح حين يُصان يصبح قوة اجتماعية قادرة على مقاومة القلق والانقسام.
وفي النهاية، قد تنطفئ أضواء الاحتفال، ويغادر المدعوون، وتبقى البيوت الجديدة تواجه أيامها بما فيها من تعب ورجاء. غير أن بعض المبادرات تترك أثرًا يتجاوز لحظة الميلاد، لأنها تمنح الناس إحساسًا بأن الطريق، مهما بدا شاقًا، ما زال مفتوحًا أمام الحلم. و''فرحة مصر'' واحدة من تلك المحاولات التي تقول للشباب إن الوطن لا يكتفي بأن يراقب بداياتهم من بعيد، وإنما يقترب أحيانًا كي يضع يده في أيديهم وهم يعبرون العتبة الأولى نحو الغد.